بعد سنوات من الاعتقال وسحب إقامته المقدسية وترحيله القسري إلى فرنسا، يجد المحامي الفلسطيني ـ الفرنسي صلاح حمّوري نفسه أمام فصل جديد من المواجهة مع إسرائيل، بعد اتهامات الشاباك له بإدارة «شبكة إرهابية» من الخارج. اتهامات يضعها حمّوري ومحاموه في إطار محاولة جديدة لاستهداف نشاطه الحقوقي وإسكات الأصوات المدافعة عن فلسطين. ومن باريس، يواصل حمّوري معركته القانونية لمساءلة مسؤولين إسرائيليين، فيما تتحول قضيته إلى اختبار لحدود حرية التضامن مع فلسطين في أوروبا، وسط تصاعد الضغوط على نشاطاته، وتنامي حملات التضامن معه من شخصيات سياسية وثقافية فرنسية


منذ عقود، أدركت إسرائيل أن المعركة لا تدور فقط حول الأرض، بل أيضاً حول الرواية ومن يمتلك حق سردها. لذلك كان المثقف الفلسطيني، من غسان كنفاني إلى غيره من الأصوات التي حملت القضية إلى العالم، جزءاً من الاستهداف المباشر، باعتبار أن الكلمة قادرة على كسر العزلة المفروضة على الفلسطينيين.

واليوم، مقابل كل هذا الدم والدمار، يواجه الاحتلال حرباً من نوع آخر يحاول جاهداً التصدي لها. تبدأ من ارتفاع الأصوات الداعمة لفلسطين واتساع رقعة المتضامنين معها، مروراً بالحركات الاحتجاجية حول العالم، وصولاً إلى عودة القضية الفلسطينية إلى صلب خطاب الحركات التحررية والاجتماعية. لذلك، تلجأ إسرائيل إلى محاولات إسكات هذه الأصوات عبر التهديد وتلفيق الاتهامات والضغط على الحكومات الغربية لقمعها.

تلفيق اتهامات لزيادة الضغط

في 25 أيار (مايو)، أصدر جهاز «الأمن العام الإسرائيلي» (الشاباك) بياناً ضد المحامي الفلسطيني ـ الفرنسي صلاح حمّوري، اتهمه فيه بتنظيم وإدارة شبكة إرهابية من فرنسا مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

وفي مقابلة مع «الأخبار»، يقول حمّوري إنه لم يتم التواصل معه رسمياً، وإنه علم بالأمر عبر وسائل الإعلام بعد نشر وكالة الأنباء الفرنسية الخبر نقلاً عن موقع الشرطة الإسرائيلية، لتبدأ بعدها موجة واسعة من تداوله إعلامياً.

وبعد تواصله مع محاميه في فرنسا، وجّه هؤلاء رسالة إلى المستشار القضائي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأخرى إلى المستشار القانوني لوزارة الخارجية الفرنسية. وبما أن حمّوري كان قد تقدّم سابقاً بدعاوى قضائية في فرنسا ضد شخصيات إسرائيلية، خاطب محاموه أيضاً القاضية المسؤولة عن ملفه للتأكيد أن أي تواصل أو إجراء يتعلق به يجب أن يمر حصراً عبر فريقه القانوني.

ونقلت صحيفة «لوموند» عن المدعي العام المختص بقضايا مكافحة الإرهاب تأكيده عدم وجود تهمة واضحة موجّهة ضد حمّوري. ويرى الأخير أن ذلك يعكس عدم وجود رغبة فرنسية في التعاون مع الإسرائيليين في هذه القضية سياسياً، وإن كانت فرنسا تتعاون معهم في ملفات أخرى، من بينها قضية لاجئ فلسطيني يُدعى علي، معتقل منذ عام وخمسة أشهر بناءً على طلب إسرائيلي وسط مطالب بترحيله لعدم حيازته الجنسية الفرنسية.

بالنسبة إلى حمّوري، فإن صدور اتهامات الشاباك اليوم لا ينفصل عن سياقات عدة. فقد جاءت بعد نحو يومين من منع وزير «الأمن القومي» الإسرائيلي إيتمار بن غفير من دخول فرنسا، لكنه يضعها أيضاً ضمن هجمة أوسع تستهدف الأصوات المدافعة عن فلسطين، سواء في الداخل الفلسطيني أو خارجه. ويشير إلى أن هذه الحملات طالت عدداً من الناشطين والشخصيات الفلسطينية، بينهم عمر السومي ورامي شعث الذي واجه تهديدات بالترحيل، إضافة إلى استدعاء النائبة ريما حسن، مؤكداً أن هذا النموذج من الاستهداف ضد الفلسطينيين متواصل.

محاربة الصوت الفلسطيني في الشتات

يرى حمّوري أن الخطر الأكبر قد يظهر في حال طلبت إسرائيل من الإنتربول إدراج اسمه على قوائم المطلوبين، رغم أن هذا الإجراء يمكن مواجهته قانونياً. ويلفت إلى عدم وجود اتفاقية لتسليم المطلوبين بين فرنسا وإسرائيل، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أنه مصنف في فرنسا ضمن قائمة «S» الخاصة بالأشخاص الخاضعين للمراقبة الأمنية بدعوى الاشتباه في تهديد الأمن القومي، مضيفاً أن ما ظل غير الاعتقال، رغم اعتقاده بأن احتمال حدوث ذلك يبقى ضعيفاً.

تتهمه اسرائيل بادارة شبكة «ارهابية» في فرنسا


ويربط حمّوري هذه الحملة أيضاً بالسياق السياسي الفرنسي، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية واحتمال تقدم قوى يسارية قريبة من الحراك الداعم لفلسطين. ويشير إلى أن عدداً من هذه الشخصيات وقّع عريضة تضامنية معه، معتبراً أن إسرائيل تسعى عبر استهدافه إلى الضغط عليهم والتحريض ضدهم وعزلهم عن حلفائهم. كما يرى أن الحملة منحت اليمين الفرنسي واللوبي الصهيوني في فرنسا مادة إضافية لاستهداف داعمي فلسطين وحراكهم بشكل عام.

لكن جوهر هذه المواجهة، بالنسبة إلى حمّوري، يعود إلى التحول الذي أعقب السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، إذ يعتبر أن «نهضة فلسطينية حصلت في الشتات»، أعادت الصوت الفلسطيني إلى موقعه الطبيعي بعد سنوات من التغييب التي أعقبت اتفاق أوسلو. كما يرى أن اللاجئ الفلسطيني عاد ليلعب دوراً سياسياً مؤثراً، وهو ما لم يعجب الاحتلال ولا غيره، ولذلك تأتي محاولات قمع كل صوت أسهم في إعادة فلسطين إلى صدارة الأجندة السياسية العالمية.

ورغم ذلك، يؤكد حمّوري أن التحالف العلني اليوم بين اليمين الفرنسي والصهاينة لن يدفعهم إلى التراجع، مشيراً إلى أن أولى نتائج هذا الحراك ظهرت في منع مشاركة إسرائيل في معرض «يوروساتوري» الدولي للدفاع والأمن، الذي يعقد بين 15 و19 حزيران (يونيو). ويختم قائلاً: «رح نضل طاحشين».

استهداف سياسي مباشر

في رسالتهم الصادرة في 28 أيار (مايو)، اعتبر محامو حمّوري أن الاتهامات الأخيرة تندرج في إطار نهج انتقامي يستهدف المحامي والناشط الفرنسي ـ الفلسطيني، الذي يتعرض منذ أكثر من عشرين عاماً لمضايقات من السلطات الإسرائيلية وحرمان من حقوقه الأساسية، وصولاً إلى إلغاء وضعه كمقيم دائم في القدس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 وترحيله قسراً إلى فرنسا في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه.

ومنذ وصوله إلى فرنسا، شارك حمّوري في مبادرات قضائية مع جمعيات ومنظمات فرنسية ودولية لمساءلة مسؤولين إسرائيليين أمام الهيئات المختصة. كما تقدّم أمام محكمة باريس بشكويين: الأولى في آذار (مارس) 2024 للتنديد بما يقول إنها أعمال تعذيب واعتقال تعسفي تعرض لها، والثانية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 بشأن ما يصفه بالاضطهاد والفصل والترحيل. ولا تزال الإجراءات القضائية مستمرة.

ويرى محاموه أن الاتهامات الجديدة تحمل هدفاً سياسياً واضحاً يتمثل في محاولة ضرب مصداقية نضاله وترهيبه، مشيرين إلى أنه بعد نشر الاتهامات سُجل تصاعد في التهديدات بالقتل ضده، ومؤكدين احتفاظه بحقه في اتخاذ إجراءات قضائية ضد حملات التضليل أو أي تهديدات تستهدفه.

ولم تقتصر الضغوط على الاتهامات الإسرائيلية، إذ امتدت إلى نشاط حمّوري العام في فرنسا. فقد أعلنت محافظة دوب منع ندوة كان من المقرر أن يشارك فيها في مدينة بيزانسون ضمن مهرجان «FEST ANTIFA» أمس، تحت عنوان «القضية الفلسطينية، أين وصلنا؟»، مبررة قرارها بـ«السياق الجيوسياسي الحالي» وضرورة تجنب ما وصفته بـ«اضطرابات محتملة في النظام العام».
وأثار قرار المنع اعتراض المنظمين، ونددت «جمعية التضامن الفرنسي ـ الفلسطيني»، المشاركة في التنظيم، بما وصفته بأنه «سياسة رقابة تمارسها الدولة الفرنسية ضد حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني»، مؤكدة أن نشاطها يقوم على مناهضة جميع أشكال التمييز والعنصرية، بما فيها معاداة السامية.

دعم سياسي وثقافي لحمّوري

في المقابل، حظي حمّوري بدعم مجموعة من المنتخبين والشخصيات السياسية والثقافية والنقابية في فرنسا، بينهم زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون، والنائبة في البرلمان الأوروبي ريما حسن، وأمين عام الحزب الشيوعي الفرنسي فابيان روسيل، وأوليفييه بيزانسنو، وسيرييل شاتلان، وصوفي بينيه، والممثلة أديل هاينيل وغيرهم.

واعتبروا في عريضة بعنوان «من أجل المدافعين الفلسطينيين عن حقوق الإنسان: دعماً لصلاح حمّوري» أن ما يتعرض له يأتي ضمن مسار طويل من الاستهداف بدأ منذ شبابه في القدس.

وأكد الموقعون أن الحملة الأخيرة ضد حمّوري ترتبط بنشاطه المتزايد في ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، ولا سيما عبر الإجراءات القضائية التي شارك فيها أو دعمها في فرنسا وأوروبا، معتبرين أن اتهامات الشاباك تمثل «هجوماً سياسياً متخفياً في شكل بيان أمني»، هدفه تشويه صورة الأصوات التي تعمل على توثيق الانتهاكات وملاحقتها قضائياً.

وربط البيان توقيت الحملة بالسياق السياسي في فرنسا وتصاعد المبادرات القانونية الأوروبية المرتبطة بفلسطين، معتبراً أن الهدف هو ترهيب الناشطين وعزل حمّوري عن داعميه في لحظة بدأ فيها عملهم يحقق تأثيراً.

ودعا الموقعون السلطات الفرنسية إلى حماية حمّوري باعتباره مواطناً فرنسياً، وإدانة «حملة تشهير تقودها دولة أجنبية». كما طالبوا المؤسسات الأوروبية والدولية بتحمل مسؤولياتها تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، مؤكدين أن حمّوري ليس حالة معزولة، بل جزء من مجموعة واسعة من المدافعين الفلسطينيين عن حقوق الإنسان الذين يواجهون أشكالاً مشابهة من الملاحقة والاستهداف.

المصدر | دعاء حداد | الأخبار اللبنانية

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *