خاص “جمهورية فلسطين” | قسم التحقيقات الصحفية والاستقصائية
تحولت حرب الإبادة الجماعية المسعورة والمستمرة في قطاع غزة لأكثر من عامين، بفعل لغة الأرقام والتحقيقات الاستقصائية الدولية، من مجرد عدوان عسكري محلي يشنه احتلال معزول، إلى مشروع كولونيالي عالمي تتغذى ترسانته الفتاكة على شراكات اقتصادية وبنى مالية عابرة للقارات. وخلف الشاشات وبث الموت المباشر الذي حصد أرواح عشرات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين، تقف شبكة إسناد دولية معقدة جرى تفكيك بنيتها التمويلية والتسليحية عبر منصات رصد حركة السفن العالمية ومقاطعتها مع جداول البيانات الصادرة عن كبرى مراكز أبحاث السلام في العالم، لتكشف عن طبيعة التواطؤ البنيوي الذي يتجاوز مفهوم الدعم الدبلوماسي التقليدي إلى مربع التورط العضوي المشترك في صناعة أدوات القتل والتطهير العرقي.
إعادة هندسة خارطة التسليح وحقيقة التوازنات الدولية
تكشف البيانات الرسمية المحدثة الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) وقاعدة بيانات نقل الأسلحة العالمية عن هندسة دقيقة وجامدة لخارطة التوريد العسكري المباشر لجيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث تهيمن الولايات المتحدة الأمريكية على الحصة الأكبر والساحقة من مبيعات الأسلحة الكبرى والمنظومات التدميرية بنسبة تتراوح بين 68% إلى 70%، تليها جمهورية ألمانيا الاتحادية في المرتبة الثانية التاريخية والفعلية بنسبة تقارب 30% إلى 31%، وتؤكد المؤشرات الإحصائية الموثقة في وثائق المعهد الفنية أن واشنطن وبرلين تحتكران معاً ما يزيد عن 98% من الترسانة العسكرية الكبرى الموردة للاحتلال، مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مفادها أن أسلحة التدمير الشامل والميداني هي صناعة غربية بامتياز، تدار بضوء أخضر وبتمويل مباشر من عواصم المنظومة الاستعمارية التاريخية.[1]
قلب المعادلة الجيوسياسية من التوريد إلى شريان الاستيراد
في مقابل التوريد الغربي المباشر، تفجر التقارير الاستقصائية المتقاطعة مع منظمة العفو الدولية وشبكة الصحافة البريطانية (Declassified UK) مفاجأة مدوية من نوع آخر، تتمثل في الصعود الاستراتيجي لجمهورية الهند في المشهد العسكري الإسرائيلي، ولكن من بوابة قلب المعطيات الإحصائية، فالهند لا تصنف في جداول المعاهد الدولية كمورد للسلاح لجيش الاحتلال، بل تتربع رسمياً كـ “أكبر مستورد ومستهلك للسلاح الإسرائيلي في العالم” بلا منازع، مستحوذة وحدها على حصة ضخمة تتراوح بين 37% إلى 40% من إجمالي الصادرات العسكرية الإسرائيلية للخارج. هذا التموضع الجيوسياسي يعكس واقعاً بالوجدان الاستراتيجي؛ حيث تحول “الزبون الهندي العملاق” خلال عامين من الحرب إلى العصب الخفي وطوق النجاة الأبرز الذي يحمي الاقتصاد العسكري الإسرائيلي من الانهيار الشامل تحت وطأة النزيف المالي والعزلة الدولية المتصاعدة.[2] [3]
طوق النجاة المالي وضخ السيولة لرأس المال العسكري
يتجاوز التبادل العسكري بين نيودلهي وتل أبيب أبعاد الصفحات التجارية الجافة ليتغلغل في بنية تمويل الحرب نفسها، ويعتمد الاقتصاد الدفاعي الإسرائيلي وشركاته العملاقة مثل (Elbit Systems) و(Rafael) و(Israel Aerospace Industries) بشكل بنيوي على عوائد التصدير الخارجي لتمويل أبحاثها العسكرية الباهظة الكلفة وتغطية العجز المالي التراكمي الناجم عن كلفة الحرب المستمرة. وفي الوقت الذي يترنح فيه الاقتصاد الإسرائيلي العام بفعل استدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط وتراجع الاستثمارات الأجنبية، يأتي تدفق المليارات من أموال دافعي الضرائب الهنود لشراء منظومات الدفاع الجوي وصواريخ سبايك وطائرات المراقبة كحقنة سيولة طارئة وإنقاذية، تضمن لهذه المصانع الاستمرارية في تشغيل خطوط إنتاجها، ودفع أجور مهندسيها، ومواصلة تصنيع الذخائر التي ينتهي بها المطاف في صدور الأبرياء بقطاع غزة.
غزة كمعمل تجارب تسويقي وربحية الدم الفلسطيني
تتبدى العقيدة التجارية الأكثر دموية للرأسمالية العسكرية في هذا التحالف من خلال الصيغة التسويقية التي تحكم المبيعات الإسرائيلية للهند، والتي تقوم بالأساس على وسم الأسلحة والمنظومات المصدرة بعبارة “Combat-Proven” أو “مُجرّبة في الميدان”. وتكشف المعطيات الحقوقية والهيكلية أن الاحتلال الإسرائيلي يحول قطاع غزة ومربعاته السكنية في الشمال والجنوب وخيام نازحيه إلى حقل تجارب مفتوح ومجاني لاختبار كفاءة تقنيات القمع الذكي، ومسيرات الاغتيال الممنهج، وبرمجيات التجسس الرقمي واختراق الهواتف. وعقب إثبات هذه الأدوات لقدراتها التدميرية والرقابية الفائقة على أجساد ومصائر الفلسطينيين، يتم تصديرها إلى الأسواق الهندية بأسعار فلكية، مما يعني أن الهند لا تشتري عتاداً عسكرياً مجرداً، بل تستثمر بشكل مباشر في “نتائج الإبادة الجماعية”، وتوفر الحافز المالي للاحتلال للاستمرار في تطوير وتحديث أدوات القتل عبر توفير سوق استهلاكي دائم لها.
خطوط الإنتاج الخلفية وفضيحة مسيرات حيدر آباد
رغم غياب الهند عن قوائم تزويد المنظومات الكبرى، إلا أن التحقيقات الاستقصائية الميدانية التي نشرتها صحف هندية مستقلة مثل (The Wire) بالتعاون مع مجموعات رصد بريطانية، وثقت تورطاً لوجستياً عضوياً لشركات هندية في إسناد المجهود الحربي الإسرائيلي بشكل مباشر. ويتجلى ذلك في عمل المصانع العسكرية المشتركة القائمة في مدينة “حيدر آباد” بين مجموعة “أداني” (Adani Group) الهندية العملاقة المملوكة لملياردير مقرب من دوائر الحكم، وشركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية. هذه المصانع تحولت خلال فترة الحرب إلى خط إنتاج خلفي وملاذ آمن لتجميع وتصنيع أجزاء رئيسية وهياكل كاملة لطائرات مسيرة متطورة من طراز “هيرميس 900” (Hermes 900)؛ حيث شُحنت هذه القطع والمكونات من الهند مباشرة إلى سلاح الجو الإسرائيلي، لتدخل الخدمة الفورية في قصف مراكز الإيواء، وتنفيذ الاغتيالات المركزة، وتأمين الرصد الجوي الاستخباري لعمليات التطهير العرقي في القطاع.[4]
حصار قرطاجنة وقذائف الـ 155 ملم المهرّبة
لم تعد خطوط الإمداد اللوجستي عارية عن الأدلة، إذ تحولت إلى قضية دبلوماسية دولية فجرتها الحكومة الإسبانية في مايو (أيار) 2024 بعد رصد تمدد الشراكة لخطوط شحن الذخائر الحية والمتفجرات عبر البحار. فوفقاً للبيانات الرسمية التي بثتها وكالة (Reuters) وصحيفة (El País) الإسبانية، حظرت وزارة الخارجية في مدريد بشكل قاطع رسو سفينة الشحن الدنماركية “ماريان دانيكا” (Marianne Danica) في ميناء “قرطاجنة” الجنوبي. وجاء قرار المنع الصارم بعد أن كشفت بروتوكولات التدقيق أن السفينة انطلقت من ميناء “تشيناي” الهندي ومتجهة إلى ميناء حيفا، وهي تحمل في بطنها شحنة طارئة تزن 27 طناً من المواد المتفجرة. وتزامنت هذه الحادثة مع ما كشفته سجلات التصدير الجمركية الهندية عن قيام شركة “صناعات الذخيرة الهندية المحدودة” (MIL) المملوكة لوزارة الدفاع الهندية، بتمرير صفقات سرية لتصدير قذائف مدفعية كاملة من عيار 155 ملم لصالح الاحتلال؛ وهي ذات القذائف التي تشكل العصب اليومي لمدفعية الاحتلال في دك المربعات السكنية بقطاع غزة، مما يرفع الشراكة من مربع الدعم الاقتصادي إلى رعاية القتل الميداني المباشر.[5] [6] [7]
بديل العمالة وحصار الجبهة الاقتصادية الداخلية
تتكشف أبعاد التحالف الوثيق بين نيودلهي وتل أبيب في تجاوزها لتصدير الصلب والسلاح إلى هندسة البنية الاقتصادية والاجتماعية للاحتلال خلال أحلك ظروف الحرب. ففي الوقت الذي فرض فيه الاحتلال حصاراً خانقاً على الضفة الغربية وقطاع غزة عبر إلغاء تصاريح عمل أكثر من 80 ألف عامل فلسطيني كعقاب جماعي، سارعت الحكومة الهندية لتشغيل جسر جوي وبشري منظم لتعويض هذا الفراغ الهيكلي. حيث جرى ضخ عشرات الآلاف من العمال الهنود وتوزيعهم مباشرة على قطاعات البناء والتشييد والإنشاءات الحيوية داخل مدن الاحتلال بطلب وإشراف مباشر من وزارة حرب الاحتلال والشركات الإسرائيلية. هذا التدفق البشري الهائل عمل كـ “مصل إنقاذ ديموغرافي” منع قطاع العقارات الإسرائيلي من الانهيار الكامل، وسمح للاحتلال بالحفاظ على وتيرة اقتصاده الداخلي وسد ثغرات الجبهة الخلفية دون الرضوخ للضغوط الإنسانية أو الاقتصادية المرتبطة بالحصار.[8]
الانقلاب الأيديولوجي الراديكالي وخيانة إرث التحرر التاريخي
إن استمرار واستعار هذه العلاقات العسكرية والاقتصادية بين نيودلهي وتل أبيب، في ظل البث الحي والمستمر لمشاهد المجازر والإبادة في غزة، يمثل انسلاخاً كاملاً وتاماً للهند عن عقيدتها السياسية الكلاسيكية وإرثها التحرري العريق. فالهند التي كانت تاريخياً حجر الأساس وقائدة حركة “عدم الانحياز” تحت إرث “المهاتما غاندي” وجواهر لال نهرو، والتي طالما اعتبرت نصرة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واجباً أخلاقياً وامتداداً لمعركتها القومية ضد الاستعمار البريطاني، باتت عقيدتها الحالية محكومة بتحالف نيوليبرالي ويميني متطرف يتلاقى مع الصهيونية الاستيطانية. وترى النخب الحاكمة في نيودلهي اليوم في النموذج الإسرائيلي للسيطرة السكانية، وتطويق الحريات، وهدم المنازل، والتحكم بالأرض عبر القوة المسلحة، ملهماً وتكنولوجيا استراتيجية قابلة للتطبيق والتبني في صراعاتها المحلية وفي إدارة حدودها، مما يكرس مفهوم “عولمة القمع” وتكامل الأنظمة السلطوية ضد حركات التحرر.
المسؤولية الأممية وسبيل كسر الطوق
يضع هذا التحقيق الاستقصائي القوى الحية في العالم، والاتحادات النقابية، والقوى اليسارية، وحركات المقاطعة الدولية أمام مسؤولية تاريخية لإعادة قراءة شبكات الدعم الاستعماري؛ فدماء الأبرياء في غزة لا تُسفك فقط بتمويل أمريكي وتوريد ألماني مباشر، بل تُسفك أيضاً لأن هناك مظلة مالية وسوقاً تجارياً عملاقاً في آسيا يضخ الحياة والسيولة في عروق الاقتصاد العسكري الإسرائيلي ويحميه من العزلة والانهيار الاقتصادي. إن فضح المحور “النيودلهي-تل أبيب” والتركيز على مقاطعة الشركات المشتركة، والضغط من خلال نقابات عمال الموانئ الهندية والعالمية —تحديداً اتحاد عمال النقل المائي في الهند الذي أصدر قراراً رسمياً بالامتناع عن تحميل أو تفريغ أي شحنات سلاح متجهة للاحتلال [9]— هو السلاح الأخلاقي والأبرز الآن لمحاصرة وتفكيك الرأسمالية العسكرية العابرة للقارات، وبتر شرايين المال والقتل التي تتغذى على دماء وجثامين الشعب الفلسطيني.
الهوامش والمراجع المعتمدة:
- معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، قاعدة بيانات نقل الأسلحة العالمية.
- منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، تقارير رصد مسارات الأسلحة في النزاعات.
- شبكة الصحافة الاستقصائية البريطانية (Declassified UK).
- صحيفة “ذا واير” الهندية المستقلة (The Wire)، تحقيقات المجمع الصناعي في حيدر آباد.
- وكالة الأنباء العالمية (Reuters).
- صحيفة (El País) الإسبانية، أرشيف مايو 2024.
- السجلات الجمركية لشركة صناعات الذخيرة الهندية المحدودة (MIL).
- وزارة العمل والتشغيل الهندية، سجلات الاتفاقيات الثنائية لتبادل العمالة.
- اتحاد عمال الموانئ الهندية (Water Transport Workers Federation of India).





