فالفارس الشهم بحق هو من يقف مع الحق في أحلك الظروف، لا من يطعم الضحية بيد ويصافح الجزار باليد الأخرى

خاص – “جمهورية فلسطين”

​في الوقت الذي شهدت فيه قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة انسحاباً تاريخياً منسقاً خلت معه معظم مقاعد وفود المجتمع الدولي، وفي مقدمتها وفود الدول العربية والإسلامية، احتجاجاً على اعتلاء بنيامين نتنياهو المنصة، تجلّت بوضوح مأساة الدبلوماسية المزدوجة.
خروج العشرات من ممثلي الشعوب الحرة ترك القاعة شبه الخالية شاهدة على العزلة الأخلاقية لكيان الاحتلال، لكنه في الوقت ذاته سلط الضوء على مقاعد قليلة اختارت البقاء، بل وتعدت البقاء إلى إعطاء شرعية صريحة لمجرم حرب يباشر إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني.

​لقد حملت مشاهد الجمعية العامة مفارقة صارخة وقاسية؛ مفارقة أن تُقدَّم المساعدات الإنسانية بيد لتلميع الصورة الإعلامية تحت مسميات “الشهامة”، بينما تصفق اليد الأخرى في نيويورك للرجل الذي يقف خلف كل هذه المأساة.
لم يعد ممكناً فصل البُعد الإغاثي عن الموقف السياسي المبدئي؛ فالمساعدات والأسلحة الغذائية ليست صكوك غفران، ولا يمكن استخدامها كأداة لتبييض السياسات أو شراء نفوذ ودور في مشهد “اليوم التالي” لإدارة قطاع غزة المحاصر.
إن غزة التي تنزف تحت التدمير والتجويع تفهم جيداً أن التضامن الحقيقي لا يتجزأ، وأن من يغطي جنايات الاحتلال بالصمت أو الحضور أو التصفيق يفقد أي مشروعية أخلاقية لادعاء الأخوة أو التباكي على الضحايا.

إن التحليل السياسي لمشهد نيويورك يتجاوز مجرد السلوك الفردي، ليفكك ما يمكن تسميته بـ “دبلوماسية الطرد الغذائي”؛ وهي محاولة ممنهجة لتفريغ القضية الفلسطينية من جوهرها كقضية تحرر وطني، واختزالها في مجرد ملف إغاثي إنساني يُدار عبر الصدقات والإنزالات الجوية؛ فاستخدام المساعدات كأداة هندسة اجتماعية وسياسية للتمهيد لخيارات “اليوم التالي” وفرض وصاية على غزة هو وهم سياسي، إذ إن من يراهن على شراء الإرادة الوطنية للضحية بالطعام بينما يمنح الشرعية لقاتلها، يجهل تماماً طبيعة هذا الشعب وعميق بصيرته الوطنية.

​ولم تقتصر هذه الوصمة على النظام الإماراتي الذي اختار موقعه بوضوح، بل امتدت لتشمل كافة الوفود الشريكة في هذه التغطية السياسية، أكانت وفوداً عربية أخرى آثرت الاستمرار في مقاعدها مثل البحرين والمغرب، أم دولاً غربية وأفريقية كإثيوبيا وجنوب السودان وغيرها ممن آثرت التطبيع العملي مع أطول احتلال استيطاني في التاريخ الحديث.
إن هذا الحضور يتعدى السلوك البروتوكولي ليشكّل مظلة تواطؤ صريحة تُعطي الإشارة الخضراء لاستمرار آلة القتل، حيث إن الاستماع لمجرم حرب تلاحقه العدالة الدولية وتبرير الاستمرار في القاعة بداعي “المصلحة” أو “الدبلوماسية” ليس سوى شراكة فعلية في التغطية على جريمة الإبادة الجماعية.

​إن القوى اليسارية والتحررية، ومعها أبناء الشعب الفلسطيني وكل حر في هذا العالم، ينظرون إلى هذا المشهد باعتباره لحظة فرز تاريخية حاسمة؛ لقد أثبتت أروقة الأمم المتحدة أن معركة شعبنا ليست فقط ضد الاحتلال الفاشي، بل ضد كل منظومة الهيمنة والتطبيع التي تحاول اختزال القضية الفلسطينية في مجرد ملف إغاثي وطرد غذائي.
ستظل غزة عصية على التطويع، ولن تفتح أبوابها لمن يصفق لسجانها؛ فالفارس الشهم بحق هو من يقف مع الحق في أحلك الظروف، لا من يطعم الضحية بيد ويصافح الجزار باليد الأخرى.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *