بقلم: طارق معمر
(جمعية حنظلة / بلجيكا)
انتهت اليوم مراسم تشييع ودفن الرفيق يوسف حبش في رام الله، المدينة التي أوصى أن يُدفن في ترابها. كان يوم وداعٍ مهيبٍ، اجتمع فيه رفاقُه وأحباؤه وزملاؤه وأفراد أسرته، في مشهدٍ يليق برجل ترك أثراً عميقاً في قلوب كل من عرفوه ورافقوه. وكانت سرية رام الله الكشفية حاضرة لتشييع أحد أعضائها الفاعلين، وكأنها أرادت أن تقول إن الغائبين لا يغادرون أمكنتهم التي انتموا إليها، بل يبقون جزءاً أصيلاً من ذاكرتها وروحها.
بدأت علاقتي بالراحل الرفيق “أبو الزوز” في بروكسل، خلال إحدى الفعاليات التضامنية مع الشعب الفلسطيني قبل سنوات. كان لقاءً ترك في نفسي انطباعاً طيباً، وتعزز مع الوقت شعوري بأنني أمام رفيقٍ بالمعنى الوطني والإنساني الشامل؛ رفيقٍ يحمل الفكرة بإخلاص، ويتمسك بالمبدأ بوفاء، ويمنح الرفقة قيمتها الحقيقية بما يحمله من صدقٍ واحترامٍ ومحبة.
وها أنا أخاطبك الآن يا يوسف.. كان لي شرف لقائك مرة أخرى في بروكسل قبل رحيلك بشهرين. يومها لم أكن أدرك أن ذلك اللقاء سيكون الأخير، ولا أن المرض قد استفحل في جسدك. كنت تكابر وتخفي أوجاعك عن أحبابك، وكأنك لا تريد للمرض أن ينتزع منك حضورك بين رفاقك، أو أن يسرق من اللقاء دفأه وحيويته.
كان لقاءً حافلاً بقيت تفاصيله عالقة في ذاكرتي. واليوم، كلما استعدتُه شعرتُ وكأن فيه الكثير من الوصايا؛ كلماتٌ ومواقف وإشارات لم نكن ندرك أنها ستصبح جزءاً من ذاكرة الوداع. لعلنا لا نفهم قيمة بعض اللحظات إلا بعد أن تصبح ذكريات، ولا ندرك ما تختزنه بعض اللقاءات إلا حين نعود إليها بعد الرحيل.
كنت حريصاً على الفكرة ووفياً للمبدأ، وهي خصالٌ لا تُقاس بما يقوله المرء عن نفسه، بل بما يتركه في نفوس رفاقه، وبما يشهدون عليه من صدق انتمائه ونبل مواقفه. لقد تركتَ في نفسي بصمةً رفاقيةً عالية، وأبقيتَ من حضورك ما يجعل استحضارك اليوم أكثر من مجرد استعادة لوجهٍ عزيز؛ إنه استحضارٌ لقيمة الانسان حين تقوم على القضية، والمبدأ، والمحبة الاخلاص والتفاني.
عدتَ اليوم إلى رام الله كما أوصيت، ليضمّك ترابها، وتودعك الوجوه التي أحبتك وشاركتك محطات من الحياة والنضال. لم تكن المسافة بين بروكسل ورام الله يوماً أبعد مما تختصره الرفقة الصادقة؛ فقد جمعتنا فلسطين، وجمعتنا الفكرة، وجمعنا ذلك الانتماء الذي يجعل من الرفاق أكثر من مجرد أصدقاء، ويجعل من رحيلهم خسارةً شخصية، ووطنية، وإنسانية في آنٍ واحد.
وداعاً يوسف حبش.. الرفيق والصحفي والإنسان.
سلاماً لروحك، ولذكراك التي ستبقى حاضرة بين رفاقك وأحبابك، وللمحبة التي خلّفتها في قلوبنا.
إلى اللقاء يا رفيقي..





