ماجد قرمش / كاتب فلسطيني/ السويد
لم يكن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين مجرد مرحلة زمنية عابرة، بل شكّل امتداداً لحقبة سياسية فرضت خلالها قوى اليمين والمحافظة نفوذها على المشهد الدولي، وتحكمت إلى حد بعيد في مسارات السياسة العالمية ومصائر الشعوب. غير أن دخول الربع الثاني من هذا القرن حمل معه مؤشرات متزايدة على بداية أفول تلك الهيمنة، وصعود قوى سياسية واجتماعية جديدة تسعى إلى إعادة رسم ملامح المشهد السياسي، في تحول لم يعد بالإمكان تجاهل دلالاته وأبعاده.
من البرازيل إلى السويد، ومن برلين إلى صربيا، مروراً بالحركات الطلابية والشبابية التي اجتاحت شوارع العديد من العواصم والمدن الأوروبية، بدأت تتشكل ملامح مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الاعتراض على السياسات التقليدية، ورفض الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي راكمت الأزمات، والمطالبة بمقاربات أكثر عدالة في الداخل وأكثر استقلالية في السياسة الخارجية. وجاءت الانتخابات النصفية الأمريكية لتضيف بعداً استراتيجياً إلى هذه التحولات، باعتبارها مؤشراً على أن رياح التغيير بدأت تصل إلى قلب النظام السياسي الأمريكي.
إن ما شهدته الولايات المتحدة من صعود للتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي لم يكن مصادفة انتخابية، ولا مجرد نتيجة لمزاج عابر لدى الناخبين، بل هو نتاج تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وخيبات أمل متتالية انعكست على المجتمع الأمريكي بمختلف مكوناته وشرائحه.
في قراءة نتائج الانتخابات ودلالاتها، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته الأوضاع الاقتصادية في تشكيل خيارات الناخب الأمريكي. فقد أصبحت تكاليف المعيشة، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واستنزاف دخول الأسر ومدخراتها، من أبرز العوامل التي أثقلت كاهل الأمريكيين، ودفعت قطاعات واسعة منهم إلى إعادة النظر في خياراتها السياسية.
ولم تعد القضايا الاقتصادية منفصلة عن السياسة الخارجية، بل باتت هناك علاقة مباشرة في نظر قطاعات متزايدة من الأمريكيين بين الإنفاق على الحروب والتدخلات الخارجية، وبين الأزمات التي تواجهها البلاد في الداخل.
وفي هذا السياق، تكتسب التصريحات المنسوبة إلى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، بشأن تأثير الحرب على إيران والعلاقة مع إسرائيل وارتفاع تكاليف الحياة، أهمية سياسية خاصة؛ فهي تعكس بداية ظهور تباينات داخل المعسكر الجمهوري، ومحاولات لتحميل سياسات دونالد ترامب مسؤولية التراجع الانتخابي
ولا يمكن النظر إلى هذه المواقف باعتبارها مجرد اختلافات في التقييم، بل قد تكون مؤشراً على بداية تصدع داخل الحزب الجمهوري، في ظل تنامي المخاوف من الكلفة السياسية لسياسات ترامب، ومحاولات بعض قياداته النأي بأنفسهم عن خيارات باتت تشكل عبئاً على مستقبل الحزب وقاعدته الانتخابية.
لكن أهمية التحولات الأمريكية لا تكمن فقط في تراجع الجمهوريين، بل ربما تكون دلالاتها الأعمق في التغيير الذي يشهده الحزب الديمقراطي نفسه. فقد بات التيار التقدمي يفرض حضوره بقوة، ويتحول تدريجياً من تيار معارض داخل الحزب إلى قوة سياسية مؤثرة تسعى إلى المشاركة في تحديد هويته وبرنامجه وأولوياته.
لقد واجه هذا التيار حملات تشويه وضغوطاً سياسية ومالية ضخمة، ولم تكن المواجهة مع الجمهوريين وحدهم، بل امتدت إلى داخل المؤسسة الديمقراطية ذاتها، حيث سعت قوى تقليدية إلى الحد من نفوذه وعرقلة وصول شخصياته إلى مواقع التأثير.
ووصل الصراع في بعض الحالات إلى مشاهد غير مسبوقة، تمثلت في اصطفاف شخصيات محسوبة على الحزب الديمقراطي إلى جانب مرشحين جمهوريين، في مواجهة مرشحين تقدميين من داخل الحزب نفسه، وهو ما كشف عمق الانقسام حول مستقبل الحزب واتجاهاته السياسية، ولا سيما فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وهنا تبرز حقيقة مهمة، وهي أن التيار التقدمي لم يعد مجرد مجموعة من الأصوات الاحتجاجية، بل أصبح يمتلك قاعدة جماهيرية متنامية، وقدرة على الحشد والتأثير، وخطاباً سياسياً يجد صداه لدى قطاعات واسعة من الشباب والناخبين الذين باتوا يطالبون بتغيير حقيقي في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية.
ومن أبرز ما تكشفه هذه التحولات، التغير الذي بدأ يطرأ على طبيعة العلاقة بين السياسة الأمريكية وإسرائيل، وعلى نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لها داخل المؤسسات السياسية الأمريكية.
فلسنوات طويلة، تمتعت هذه الجماعات بقدرة استثنائية على التأثير في مواقف الكونغرس والإدارات الأمريكية، وعلى فرض خطوط حمراء أمام أي انتقاد جدي للسياسات الإسرائيلية. غير أن هذه المعادلة بدأت تواجه تحديات متزايدة، في ظل اتساع دائرة الانتقادات للدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وارتفاع الأصوات المطالبة بمراجعة هذه العلاقة ووضعها تحت المساءلة السياسية والأخلاقية.
واللافت في هذا التحول أنه لم يعد مقتصراً على أوساط اليسار والتقدميين، بل امتد إلى قطاعات أوسع من المجتمع الأمريكي، ولا سيما الأجيال الشابة، التي باتت تنظر إلى السياسة الإسرائيلية باعتبارها قضية تستحق النقاش والمساءلة، بعيداً عن الاعتبارات التقليدية التي حكمت الموقف الأمريكي لعقود.
ولا يعني ذلك أن نفوذ جماعات الضغط قد انتهى، أو أن موازين القوى انقلبت بصورة نهائية، لكنه يعني أن قدرتها على احتكار الموقف السياسي الأمريكي أو منع التحولات في الرأي العام لم تعد مطلقة كما كانت في السابق.
إن ما يجري في الولايات المتحدة يتجاوز حدود التنافس الانتخابي بين الجمهوريين والديمقراطيين، ليعكس صراعاً أعمق حول هوية السياسة الأمريكية ومستقبل دورها في العالم. فهناك تحولات واضحة في أولويات الناخبين، ورفض متزايد لاستنزاف الموارد الأمريكية في الحروب والتدخلات الخارجية، في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.
كما أن صعود التيار التقدمي يطرح تحدياً حقيقياً أمام المؤسسة السياسية التقليدية داخل الحزب الديمقراطي، ويفتح الباب أمام إعادة صياغة مواقفه من قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل والقضية الفلسطينية.
إن دلالة هذه التحولات لا تكمن فقط في عدد المقاعد التي يمكن أن يحققها هذا التيار، بل في قدرته على نقل النقاش السياسي الأمريكي إلى مساحات كانت حتى وقت قريب محكومة باعتبارات وضوابط لا تسمح بتجاوزها.
وبهذا المعنى، فإن ما تشهده الولايات المتحدة قد يكون جزءاً من تحول دولي أوسع، تتراجع فيه قدرة القوى التقليدية على احتكار القرار وتوجيه المجتمعات، وتبرز فيه أجيال وقوى سياسية جديدة أكثر جرأة في مساءلة السياسات القائمة وطرح البدائل.
إننا أمام ملامح مرحلة جديدة لم تتضح نتائجها النهائية بعد، لكنها تحمل في طياتها مؤشرات على أن المشهد السياسي العالمي لم يعد كما كان، وأن التيار التقدمي، بما يحمله من خطاب اجتماعي وسياسي ومواقف أكثر نقدية للسياسات الخارجية التقليدية، بات رقماً صعباً في معادلة المستقبل، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في النظام السياسي الدولي بأسره.





