بقلم | عمر فارس


​في السابع عشر من نيسان / أبريل، لا تمرُّ الذكرى مروراً عابراً، بل تقف كجرح مفتوح في ضمير الإنسانية. يوم الأسير الفلسطيني ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو شهادة حيّة على معاناة آلاف الفلسطينيين الذين يقبعون في السجون، محرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية، في ظروف قاسية لا تليق بالبشر.
​هناك، خلف القضبان، يعيش الأسرى واقعاً من الإذلال اليومي والتعذيب الممنهج. بعضهم أمضى عشرات السنوات في الأسر؛ محرومين من الحرية، ومن العائلة، ومن الحياة نفسها. تعرض كثير منهم لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، بل وحتى لانتهاكات خطيرة تمسُّ الكرامة الإنسانية في جوهرها.


​في هذه المناسبة، أستحضر تجربتي الشخصية القصيرة، لكنها العميقة الأثر، عندما كنتُ محتجزاً في سجن “كيتسعوت” بصحراء النقب، بعد اختطافنا ضمن “أسطول الصمود”، الذي ضم أكثر من 460 ناشطاً من 44 دولة، جاؤوا فقط لكسر الحصار عن غزة ونقل المساعدات الإنسانية والأدوية.
​كنا نُحتجز في زنازين ضيقة، يتكدس فيها ما بين 13 إلى 15 شخصاً، دون أي مراعاة لكرامة الإنسان. كانوا ينقلوننا من زنزانة إلى أخرى بشكل متكرر؛ في محاولة لكسرنا نفسياً، وبث القلق والتوتر في نفوسنا. كان ذلك تعذيباً نفسياً واضحاً، يُضاف إلى الإهانات اليومية والمعاملة القاسية.
​كما خضنا إضراباً عن الطعام، ليس فقط احتجاجاً على ظروف احتجازنا، بل تضامناً مع أهلنا في غزة، الذين كانوا يعانون الجوع والحصار، في وقت كان فيه الأطفال يموتون نتيجة نقص الغذاء وانعدام أبسط مقومات الحياة. كان الإضراب صرخة إنسانية، ومحاولة لربط معاناتنا بمعاناة شعبنا خارج السجون؛ حيث الألم واحد والمصير مشترك.


​ورغم قسوة التجربة، لم يكن يغيب عن بالي الأسرى الفلسطينيون، أولئك الذين يعيشون هذا الواقع لسنوات طويلة. كنت أفكر في صمودهم، وفي قدرتهم على الاستمرار رغم كل شيء. لم يغب عن ذهني الأسير الطبيب حسام أبو صفية، ولا غيره من آلاف الأسرى الذين يواجهون مصيرهم بثبات نادر.
​واليوم، يمعن نظام الفصل العنصري في سياساته القمعية، ويأتي وزراء متطرفون ليدفعوا نحو مزيد من القوانين اللاإنسانية، مثل إقرار إعدام الأسرى، في محاولة يائسة لكسر إرادة شعب كامل. لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ، أن هذا الشعب لا يُكسر، وأن إرادة الحرية أقوى من كل السجون.


​في السجن، لم يكسرونا… ولن يكسروا الأسرى… ولن يكسروا الشعب الفلسطيني.


​ورغم كل شيء، تستمر الحياة، ويستمر النضال. اليوم، تنطلق السفن من جديد نحو غزة، حاملة رسالة واضحة: أن الحصار لن يصبح أمراً واقعاً، وأن هناك من سيواصل العمل لكسره، بالفعل والموقف والكلمة.


​يوم الأسير الفلسطيني هو نداء إلى العالم: أن ينظر، أن يسمع، أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية. وهو في الوقت نفسه عهد متجدد بأن الحرية ستأتي، وأن الأسرى لن يُتركوا وحدهم.


المجد للأسرى… والحرية لهم قريبة لا محالة.
بقلم: عمر فارس

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *