روما – “جمهورية فلسطين”

​بزخم جماهيري غير مسبوق، تحولت شوارع المدن الإيطالية إلى ساحات مفتوحة للمقاومة، حيث أحيا عشرات الآلاف الذكرى الـ81 لتحرير البلاد من دكتاتورية “بينيتو موسوليني” والاحتلال النازي. ولم تكن ذكرى “25 أبريل” هذا العام مجرد استحضار بروتوكولي للتاريخ، بل تحولت إلى صرخة مدوية في وجه “فاشية العصر”، واضعةً القضية الفلسطينية في قلب معركة الكرامة العالمية، لتربط بين تضحيات الماضي ونضالات الحاضر.

و​امتدت شرارة التظاهرات لتشمل أكثر من 100 مدينة إيطالية، حيث غصت الميادين الكبرى في روما، وميلانو، وجنوة، وتورينو، وبولونيا، وفلورنسا، وصولاً إلى نابولي وباليرمو، بحشود ضخمة ضمت أطيافاً واسعة من الأحزاب التقدمية، الحركات الاجتماعية، والنقابات العمالية. وأعاد المتظاهرون رسم ملامح النضال الإيطالي من خلال التأكيد على أن إرث المقاومة التاريخية (Resistenza) لا يمكن أن يكتمل أو يستقيم أخلاقياً إلا بالوقوف الحازم ضد كافة أنظمة القمع المعاصرة التي تستهدف الشعوب الساعية للحرية.

و​لم تكن الأعلام الفلسطينية التي رفرفت بكثافة مجرد مشهد تضامني عابر، بل كانت الرمز الأبرز الذي توحدت خلفه الهتافات، حيث ربط المشاركون بوضوح بنيوي بين نضال “البارتيزان” (المقاومين الإيطاليين) في الأربعينيات وبين كفاح الشعب الفلسطيني في مواجهة آلة الحرب اليوم. وانطلق المتظاهرون من قناعة راسخة بأن مقاومة “الفاشية الجديدة” والسياسات العنصرية الصاعدة في أوروبا تبدأ من التضامن مع فلسطين، باعتبارها الرمز العالمي الأول لمناهضة الاستعمار والاضطهاد في القرن الحادي والعشرين.

و​تجاوز الحراك الشعبي في هذه الذكرى حدود التعاطف الإنساني المجرد، لينضج ويتحول إلى موقف سياسي حاسم يطالب الحكومات الأوروبية بقطيعة واضحة مع سياسات دعم الاحتلال. واعتبر المتحدثون في الميادين أن صعود اليمين المتطرف في الداخل الإيطالي يمثل امتداداً فكرياً لنفس المنظومات التي حاربها الأجداد، مما جعل من قضية فلسطين “خط الدفاع الأول” عن القيم الديمقراطية والعدالة الدولية، وضرورة ملحة لتصحيح المسار السياسي للقارة العجوز.

و​يرى مراقبون أن كثافة المشاركة واندماج القضية الفلسطينية في عمق مناسبة وطنية إيطالية خالصة، يعكسان تحولاً جوهرياً في المزاج العام والمزاج الشعبي الإيطالي. فقد أصبحت فلسطين تمثل “المعيار الأخلاقي” الذي يقيس من خلاله الإيطاليون مدى صدق انتمائهم لقيم التحرر التي قامت عليها جمهوريتهم بعد الحرب العالمية الثانية، مؤكدين أن الحرية لا تتجزأ، وأن ذكرى التحرر تظل ناقصة ما دام هناك شعب يرزح تحت وطأة الاحتلال.

واختتمت المسيرات بهتافات زلزلت الميادين التاريخية، مجددة العهد لشهداء المقاومة في كل زمان ومكان: “تحيا المقاومة.. تحيا إيطاليا الحرة.. والحرية والعدالة لفلسطين”.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *