​لندن – خاص “جمهورية فلسطين”

​في زلزال سياسي يعيد تعريف موازين القوى داخل “المحلّيات” البريطانية، يتأهب أكثر من 1600 مرشح لخوض الانتخابات البلدية القادمة تحت راية “التعهد من أجل فلسطين”. هذا الحراك ليس مجرد صرخة تضامنية، بل هو إعلان صريح عن انتقال القضية الفلسطينية من الهامش الدبلوماسي إلى صلب الصراع السياسي والاجتماعي داخل المملكة المتحدة.

​انتفاضة الصناديق: الاستثمار كسلاح سياسي

​المبادرة التي تقودها “حملة التضامن مع فلسطين” (PSC)، تضع المرشحين أمام استحقاق طبقي وأخلاقي مباشر؛ فالتعهد يلزمهم باستخدام نفوذهم في المجالس المحلية لضرب مصالح منظومة الاحتلال في مقتل، عبر:
١. سحب استثمارات صناديق التقاعد من الشركات والاحتكارات المالية المتورطة في دعم الاستعمار الاستيطاني.
٢. فرض معايير أخلاقية صارمة على المشتريات العامة والتعاقدات المحلية لمنع أي تطبيع اقتصادي مع نظام “الأبارتهايد”.

​خريطة الانحيازات: الخضر والمستقلون في الطليعة

​تكشف بيانات الموقعين عن خارطة طريق سياسية جديدة؛ حيث يتصدر حزب الخضر المشهد بأكثر من 1000 مرشح، يليهم مئات المستقلين واليساريين الذين ضاقت بهم أروقة “حزب العمال” تحت قيادته الحالية. في المقابل، يظهر الانكفاء المخزي لحزبي المحافظين والليبراليين الديمقراطيين، مما يؤكد أن فلسطين باتت اليوم “فرزاً” حقيقياً بين قوى التغيير الجذري وحراس الوضع الراهن.

​وتأتي هذه الانتخابات المزمع عقدها في السابع من مايو لتشكل اختباراً عسيراً لحكومة “كير ستارمر”، حيث يتحول التنافس على أكثر من 5000 مقعد في 136 مجلساً محلياً إلى معركة لانتزاع الشرعية من النخب الحاكمة التي تحاول امتصاص الغضب الشعبي تجاه العدوان على غزة بوعود هشة؛ ففي مقابل الرهان الحكومي على تدجين الموقف العام، يتحرك الشارع والكتل المحلية من خلال هذه الكتلة الانتخابية الضخمة لفرض واقع سياسي بديل “من أسفل” يضع المؤسسات القاعدية في مواجهة مباشرة مع سياسات المركز المتواطئة.

​من التضامن الانتخابي إلى ممارسة الضغط الثوري

​إن قراءة هذا التحول تتجاوز كونه مجرد فعل تضامني عابر، بل هو في جوهره إعادة تشكيل جذرية للخارطة السياسية البريطانية، حيث بدأت القواعد الشعبية واليسار القاعدي بسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب التقليدية التي احتكرت الموقف السياسي لعقود؛ فهذا الانزياح نحو قوى “الخضر” والمستقلين يمثل تمرداً صريحاً على الخطاب الإمبريالي المعتاد، ويعلن ولادة ميزان قوى جديد يعيد الاعتبار لصوت الشارع في المدن الكبرى التي لم تعد تقبل بصمت النخبة الحاكمة أمام جرائم الإبادة.

​وفي هذا السياق، ينتقل الفعل السياسي من حيز “الرمزية والشعارات” إلى حيز “الاشتباك الاقتصادي المادي”، حيث يمثل التعهد بسحب استثمارات صناديق التقاعد ضربة مباشرة في قلب المنظومة المالية التي تغذي الاحتلال، مما يعني تحويل المجالس المحلية من مجرد كيانات إدارية إلى أدوات ضغط فاعلة قادرة على تهديد شبكات التمويل الرأسمالية العابرة للحدود. إنها عملية “تسييس” للمال العام ليصبح سلاحاً في معركة التحرر الوطني، بدلاً من كونه وقوداً لاستمرار الاستعمار.

​هذا الحراك يؤسس لما يمكن وصفه بـ “الدبلوماسية المحلية المقاومة” التي تكسر احتكار الحكومة المركزية لملفات السياسة الدولية، لتصبح البلديات هي خط الدفاع الأول عن المبادئ الأممية. إن ما نشهده اليوم هو انتفاضة وعي داخل المجتمع المدني البريطاني، جعلت من القضية الفلسطينية معياراً أخلاقياً وطبقياً لا يقبل القسمة، حيث لم تعد فلسطين شأناً خارجياً بعيداً، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من معركة الداخل البريطاني ضد قوى القمع الرأسمالي والتواطؤ الكولونيالي، مما يثبت أن الفعل المحلي، حين يتسلح بالإرادة الجماعية، يصبح قادراً على زعزعة موازين القوى الدولية.

​المواجهة القادمة: القمع القانوني مقابل الإرادة الشعبية

​الحكومة البريطانية، ومن خلفها لورديات المال، بدأت بالفعل في استشعار الخطر. التحذيرات الرسمية للمجالس المحلية من “الملاحقات القانونية” بذريعة منع المقاطعة السياسية ليست سوى محاولة لترهيب الإرادة الشعبية.
​لكن التاريخ القريب يثبت أن هذه الضغوط لم تزد الحراك إلا اشتعالاً، حيث نجحت عدة مجالس بالفعل في تطهير محافظها الاستثمارية من دماء الفلسطينيين، استناداً إلى قرارات أممية وقيم أخلاقية لا تقبل المساومة.

​فلسطين في بريطانيا اليوم ليست ملفاً في وزارة الخارجية، بل هي مادة للاشتباك اليومي في الشوارع، وفي قاعات المجالس البلدية. إنها معركة استعادة السياسة من أيدي النخب، وتحويلها إلى أداة للعدالة الكونية.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *