بين مطرقة الجغرافيا وسندان الأخلاق: قراءة في ازدواجية النخب السياسية البولندية

خاص “جمهورية فلسطين” – بقلم | عمر فارس

​إن ما تعيشه النخب السياسية في بولندا اليوم تجاه مآسي الشرق الأوسط يتجاوز كونه مجرد تعثر في الحسابات السياسية، ليكون بمثابة انكسار أخلاقي عميق وأزمة ضمير حادة، ويتجلى هذا الانحدار بوضوح في مواقف تيار “القانون والعدالة” (PiS)، الذي اختار الانحياز المطلق لمنطق القوة، مغمضاً عينيه عن أنين المدنيين والانتهاكات الصارخة لأبجدية القانون الدولي.
إننا لا نقف هنا أمام سياسة مسؤولة، بل أمام تبعية عمياء لرواية تبرر العنف وتشرعنه ما دام صادراً عن “حليف”، مما يضعنا أمام تساؤل مرير حول مصير القيم والعدالة واحترام الحياة الإنسانية التي طالما تشدق بها هؤلاء في خطاباتهم.

​غير أن هذا الداء لا يتوقف عند حدود حزب بعينه، بل يمتد ليشمل طيفاً أوسع من النخبة، كما تعكسه تصريحات سياسيين من وزن رادوسواف سيكورسكي، مما يشير إلى أن المشكلة أصبحت مرضاً مزمناً في جسد السياسة البولندية؛ مرضٌ قوامه أحادية الرؤية، وغياب الشجاعة في التفكير النقدي، والارتهان التام للمصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى. ومن المفارقات التاريخية المؤلمة أن بولندا، التي تجرعت مرارة الاحتلال وعاشت ويلات الدمار وكافحت طويلاً من أجل انتزاع حريتها، كان الأجدر بها أن تكون اليوم الصوت الصادح بالحق، والمنبر الذي ينشد التوازن، لا مجرد صدى لدعاية الآخرين، فمن ذاق طعم الظلم هو الأقدر على استشعار معاناة العزل الذين لا يملكون قوة للدفاع عن أنفسهم.

​إنه لمن غير المقبول أخلاقياً أن نرتضي عالماً تُمنح فيه الصلاحيات المطلقة للبعض، بما في ذلك امتلاك السلاح النووي وشن الحروب دونما حسيب أو رقيب، بينما يُسلب الآخرون حقهم البديهي في الوجود والدفاع عن النفس؛ فهذا ليس نظاماً عالمياً قائماً على القيم، بل هو شريعة الغاب المغلفة بالنفاق. إن الصمت في حضرة الجور ليس حياداً بل هو مشاركة ضمنية فيه، وتبرير العنف هو الخيانة الكبرى للمبادئ الديمقراطية. إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى شجاعة حقيقية؛ تلك الشجاعة التي ترفض المعايير المزدوجة وتنتصر للحق لا للقوة، وتؤكد بملء الفم أن حياة الإنسان لها القيمة المقدسة ذاتها، بصرف النظر عن موطنه أو أصله. وإذا لم يستطع الساسة في بولندا استجماع هذه الشجاعة في هذه اللحظة الفارقة، فإن التاريخ سيكتب عنهم لا كقادة وصناع قرار، بل كمن هانوا عند أول اختبار حقيقي للضمير الإنساني.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *