غزة – خاص “جمهورية فلسطين”
بدمٍ بارد وضمن منهجية منظمة تهدف إلى فرض “تعتيم استراتيجي” على أبشع جرائم القرن، يواصل جيش الاحتلال استهدافه الممنهج لفرسان الكلمة في غزة، محولاً شارات الصحافة الزرقاء من دروع حماية إلى “أهداف عسكرية” مرصودة.
هذا الاستهداف الذي يرمي إلى كسر “زناد الوعي” الذي تنقله العدسات إلى ضمير العالم، لم يتوقف عند حدود الترهيب، بل انتقل إلى مرحلة التصفيات المباشرة التي كان آخر ضحاياها الزميل الشهيد محمد وشاح، مراسل قناة الجزيرة مباشر، ليرتفع بذلك عدد شهداء الحقيقة إلى 262 صحفياً في حصيلة دموية غير مسبوقة في تاريخ الإعلام الحديث، تجعل من مهنة المتاعب في غزة ضريبة مباشرة للشهادة.
وفي سياق الإدانات الواسعة لهذه الجريمة، نعى التجمع الصحفي الديمقراطي بـ “مزيد من الفخر والاعتزاز” شهيد الكلمة والصورة الزميل وشاح، مؤكداً في تصريح صحفي أن هذا الاستهداف الممنهج ليس مجرد حادث عابر، بل هو “سياسة احتلالية فاشية” تهدف بوضوح إلى ترهيب الكلمة وحجب الحقيقة وإسكات الصوت الذي ينقل أوجاع الشعب الفلسطيني إلى العالم.
وحمّل التجمع الاحتلال المسؤولية الكاملة عن دماء الزميل وشاح وكافة شهداء الأسرة الصحفية، مشدداً على أن محاولات القمع والاغتيال لن تفت في عضد الصحفيين في الميدان، ولن تثنيهم عن مواصلة دورهم الوطني والمهني في كشف جرائم الاحتلال وتعريتها أمام الرأي العام العالمي، مجدداً العهد بأن يظل الصحفيون صوتاً للحق وشاهداً على الحقيقة.
ويرى محللون في الشؤون الحقوقية والاستراتيجية، أن استسهال قتل الصحفيين وتحويل دمائهم إلى “شربة ماء” ليس مجرد أخطاء ميدانية أو أضرار جانبية، بل هو ركن أساسي في “المشروع الصهيو-أمريكي” الساعي لتصفية القضية الفلسطينية عبر تغييب شهودها العيان، فالمصور والمراسل في غزة باتوا يمثلون “قوة ردع إعلامية” قادرة على تفكيك “الخديعة الاستراتيجية” التي يمارسها الاحتلال، مما جعل من اغتيال الزميل وشاح ورفاقه ضرورة عسكرية للمحتل لإطفاء أنوار الحقيقة وإحلال لغة القتل مكان لغة الخبر، في محاولة يائسة لتحويل القطاع إلى “صندوق أسود” معزول عن الرقابة الدولية.
وتشير قراءات تحليلية رصدها قسم التحرير في “جمهورية فلسطين” إلى أن هذا الاستهداف الممنهج لـ “صناع الوعي” يهدف بالدرجة الأولى إلى فرض “تخدير سياسي” عالمي عبر تغييب الوجوه المألوفة والموثوقة لدى الجمهور، ظناً من الاحتلال أن رصاصاته قادرة على دفن الرواية الفلسطينية مع أصحابها. إلا أن الواقع يثبت أن هذه الدماء الطاهرة باتت تشكل “صموداً أسطوريًا” جديداً في الميدان الإعلامي، حيث يتحول كل صحفي يرتقي إلى أيقونة تلهم العشرات من خلفه لمواصلة المسير، مؤكدين أن “دبلوماسية الصورة” التي دفع ثمنها 262 شهيداً هي التي أرغمت القوى العظمى على مواجهة حقيقة إجرامها وتراجع سردياتها الزائفة.
وتؤكد “جمهورية فلسطين” على أن دماء هؤلاء الزملاء لن تكون مجرد أرقام في أرشيف المنظمات الدولية، بل هي “فاتورة الاقتدار” المهني التي يدفعها الإعلام الحر دفاعاً عن كرامة الأمة وحق شعبنا في الوجود. إن الإصرار على البقاء في الميدان رغم القتل الممنهج هو الوجه الآخر لمقاومة الشعب الفلسطيني، وبرهان على أن من يملك “زناد الوعي” لا يمكن هزيمته بالرصاص، وأن ملاحقة قتلة الحقيقة في المحاكم الدولية باتت واجباً أخلاقياً ووطنياً لا يقبل التأجيل، لتبقى صورة غزة شاهدة على العصر، ويبقى صوت فلسطين هو الأعلى والأبقى.





