غزة – خاص “جمهورية فلسطين”
في مثل هذا اليوم من عام 1948، سُطرت واحدة من أبشع صفحات التاريخ الإنساني في قرية دير ياسين بقدسنا المحتلة، حيث توهمت العصابات الصهيونية حينها أن لغة الأشلاء والدم ستكون بوابة “الخروج الكبير” للفلسطينيين من أرضهم، تلك المجزرة لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت منهجية رعب منظمة تهدف إلى اقتلاع الإنسان من جذوره، وهي ذات العقيدة الإحلالية التي تعيد إنتاج نفسها اليوم في غزة والضفة، لكنها تصطدم بوعي فلسطيني متجذر يمنع تكرار النكبة ويحول دون تمرير مخططات التهجير مهما بلغت كلفة الدماء.
وبالعودة إلى تفاصيل ذلك اليوم الأسود، فقد شنت عصابتا “الأرغون” و”شتيرن” هجوماً غادراً فجراً على القرية الوادعة التي لم تكن تمتلك سوى أسلحة بسيطة للدفاع عن النفس، مما أسفر عن ارتقاء ما بين 250 إلى 360 شهيداً، أغلبهم من النساء والأطفال وكبار السن الذين تعرضوا لعمليات تصفية ميدانية وتنكيل وحشي، ولم يكتفِ الاحتلال بالقتل، بل عمد إلى تدمير واحتلال أكثر من 144 منزلاً، واستخدم سياسة “التطهير العرقي” عبر اقتياد من تبقى من الأحياء في استعراضات مهينة بشوارع القدس، في رسالة ترهيب كانت تهدف لدفع القرى المجاورة للرحيل القسري، لتتحول دير ياسين منذ ذلك الحين إلى أيقونة للوجع الفلسطيني وشاهداً حياً على زيف الرواية الدولية حول “حق الدفاع عن النفس”.
إن محاولات تحويل غزة إلى “دير ياسين كبرى” عبر القتل الممنهج والتجويع المستمر منذ عامين ونصف، ارتطمت بجدار صلب من الصمود الأسطوري الذي يرفض الانكسار أو الرحيل, فالمخطط الذي استهدف القرى الفلسطينية قديماً، يفشل اليوم أمام إنسان يرى في البقاء فوق الركام فعلاً مقاومياً يوازي في قوته لغة الرصاص؛ مما جعل من ذكرى المجزرة هذا العام محطة للتأكيد على أن لغة “الضغط الأقصى” والمجازر لم تعد قادرة على رسم خارطة المنطقة، وأن زمن “النكبات الصامتة” قد ولى دون رجعة أمام إرادة شعب قرر أن يكتب تاريخه بصموده قبل رصاصه.
ويبقى التشبث بالأرض من رفح وخانيونس ودير البلح وحي الزيتون مروراً بجباليا وصولاً إلى أزقة القدس، هو الرد العملي الذي يجهض أهداف مجزرة دير ياسين التاريخية ويفرغها من محتواها الاستراتيجي. إن المقاومة التي نبتت من رحم تلك الأوجاع، فرضت اليوم واقعاً ميدانياً يجبر العالم على الاعتراف بأن صاحب الأرض لن يبرح مكانه، وأن الحقوق التي تعمدت بالدم لا تسقط بالتقادم، طالما ظلت “عقيدة البقاء” حاضرة في عقول الأجيال التي لم تنسَ دير ياسين، ولن تفرط في غزة، لتظل بوصلة العودة هي الثابت الوحيد في وجه عواصف الإبادة المستمرة.





