حين تُقصف “تل أبيب”.. وتتساقط رهانات العدوان
بقلم: عمر فارس
لم يكن صمود إيران في وجه الإعصار الأمريكي–الإسرائيلي مجرد حدث عابر في توقيت زمني محدد، بل شكّل نقطة تحول استراتيجية أعادت رسم موازين القوى في المنطقة من جديد، ففي مشهد كسر قواعد اللعبة، لم تكتفِ طهران بالتمترس خلف خطوط الدفاع، بل انتقلت إلى المبادرة الهجومية، موجهة ضربات موجعة طالت العمق الإسرائيلي، من “تل أبيب” إلى “حيفا”.
استهدفت هذه الضربات، في سابقة لم يعهدها الكيان، البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية والعسكرية الحيوية. هذا التحول كشف عن “هشاشة” بنيوية في كيان طالما سوّق نفسه كقوة إقليمية لا تُقهر، حيث سقطت أمام مرأى العالم فكرة “الأمن المطلق” التي روجت لها الماكنة الإعلامية الإسرائيلية لعقود، وبات العمق مكشوفاً تماماً أمام أي مواجهة شاملة.
هذه الضربات لم تأتِ من فراغ، بل تزامنت مع أداء ميداني لافت لقوى المقاومة في المنطقة:
• في لبنان، نجح حزب الله في استنزاف الجيش الإسرائيلي، موقعاً خسائر فادحة زادت من الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية المتصدعة أصلاً.
• إقليميا، من العراق إلى اليمن، ساهم الحشد الشعبي والحوثيون في توسيع رقعة الاشتباك، مما أدى لولادة واقع إقليمي جديد قائم على “وحدة الساحات”.
ولعل اللافت في هذا المشهد، أن المدن الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال لم تعد مجرد مراقب، بل تحولت إلى ساحات تتلقى فيها “إسرائيل” الضربات مباشرة، مما أربك حسابات القيادة العسكرية والسياسية في الكيان.
على الضفة الأخرى، سقطت أهداف العدوان الأمريكي–الإسرائيلي بوضوح. فلم تنجح الضغوط في إسقاط النظام الإيراني، ولا في تدمير برنامجه النووي أو السيطرة على مخزونه من اليورانيوم، بل على العكس، خرجت إيران من هذه المواجهة أكثر صلابة وقدرة على فرض معادلاتها الخاصة.
هذا الفشل الاستراتيجي وضع الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب في موقف حرج؛ فبعد سلسلة من التهديدات بـ “محو إيران”، وجد ترامب نفسه مضطراً للتراجع أمام تعقيد المشهد وتصاعد الخسائر، والقبول بخيار وقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
بينما كانت واشنطن تبحث عن مخرج، كان بنيامين نتنياهو يرى في أي تهدئة نهايةً لمستقبله السياسي، فالحرب بالنسبة له هي “طوق النجاة” الوحيد من أزماته الداخلية وملاحقاته القضائية. ومن هنا، سارع إلى شن عدوان غادر على لبنان، مستهدفاً العاصمة بيروت ومناطق أخرى، في محاولة يائسة لنسف أي فرصة للتفاهم وتفجير المنطقة من جديد.
إن ما نشهده اليوم هو إعلان صريح عن دخول المنطقة مرحلة تاريخية جديدة؛ مرحلة لم تعد فيها “إسرائيل” قادرة على فرض شروطها بقوة السلاح، ولم تعد فيها الولايات المتحدة تدير الصراعات بمفردها، لقد وُلدت معادلة ردع عنوانها: “العدوان سيُقابل برد، وإخضاع الشعوب بات ضرباً من الخيال”.
في ظل هذا التخبط السياسي الإسرائيلي وصعود قوى المقاومة، يقف الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة تُكتب فيها المعادلات بدماء الشعوب وتضحياتها، وتُدفن فيها أوهام الهيمنة إلى غير رجعة.





