تحليل سياسي | خاص “جمهورية فلسطين”


في يوم، الأحد 12 أبريل 2026، أقرّ فيكتور أوربان بهزيمته أمام منافسه بيتر ماغيار في الانتخابات البرلمانية المجرية، منهياً بذلك ستة عشر عاماً متواصلة في السلطة. لكن هذه الهزيمة لا تُقرأ فقط في سياقها الداخلي — فنحن كفلسطينيين نعرف جيداً أن المجر في عهد أوربان كانت واحدة من أكثر الدول الأوروبية استعداداً لحماية إسرائيل من أي مساءلة جدية داخل الاتحاد الأوروبي.

ليس مجرد يميني محافظ

أوربان لم يكن فقط زعيماً يمينياً محافظاً. هو بنى مشروعاً سياسياً كاملاً: دولة قومية منغلقة، معادية للمهاجرين، قائمة على إخضاع الإعلام والمؤسسات، وعلى فكرة أن “السيادة” تبرر كل شيء — حتى عندما يعني ذلك تعطيل القانون الدولي أو إفراغه من معناه. ولهذا كان موقعه خطيراً بالنسبة لفلسطين.

ما الذي كانت تفعله المجر فعلياً؟

على مدار سنوات، استخدمت المجر حق النقض لتعطيل قرارات أوروبية موحّدة ضد إسرائيل. في مايو 2021، منعت بودابست الاتحاد الأوروبي من إصدار موقف رسمي إزاء العدوان على غزة. وفي يوليو 2024، حين أصدر البرلمان الإسرائيلي قراراً برفض إقامة الدولة الفلسطينية، عطّلت المجر وحدها بيان إدانة أوروبياً كان يحظى بموافقة عشرين دولة. وفي سبتمبر من العام ذاته، كانت المجر وتشيكيا الدولتين الأوروبيتين الوحيدتين اللتين صوّتتا في الأمم المتحدة ضد قرار يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة.

الأوقح.. موقفه من المحكمة الجنائية الدولية

في أبريل 2025، استقبل أوربان نتنياهو في بودابست رغم مذكرة اعتقاله الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ثم أعلن انسحاب المجر من المحكمة نفسها. هذا ليس مجرد مجاملة دبلوماسية. هذه عقيدة سياسية كاملة: القانون يُستخدم ضد الضعفاء، أما الحلفاء فتُفتح لهم أبواب الحماية والإفلات من العقاب. أوربان جسّد هذه المعادلة بوضوح لا يقبل التأويل.

ماغيار ليس أوربان — لكنه ليس بديلاً عن العدالة

الحكومة القادمة لن تكون نسخة من إسبانيا أو أيرلندا. ماغيار مرشح يمين وسط، وعلاقته مع إسرائيل لن تنقطع. لكن ما سيتغير جوهرياً هو سلوك المجر داخل مؤسسات الاتحاد: حملته قامت على استرداد 15 مليار يورو من الأموال الأوروبية المجمّدة، وهذا يستلزم الانسجام مع بروكسل — بما يعني تلقائياً التخلي عن الفيتو المنهجي على القرارات المتعلقة بإسرائيل. أبرز ما قد يتغير فورياً: احتمال عودة المجر إلى المحكمة الجنائية الدولية قبل يونيو 2026، وهو ما قد يُعيد تفعيل مسار مساءلة نتنياهو. كذلك يُفتح الباب أمام عقوبات أوروبية على المستوطنين كانت المجر تعطلها.

محور كامل، لا مجرد دولة

أوربان كان جزءاً من محور عالمي واضح: حليف لترامب، قريب من بوتين، ملهماً لليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا. لذلك فإن سقوطه لا يخص هنغاريا وحدها، بل يعبّر عن تصدّع في معسكر سياسي كامل بنى نفوذه على الخوف، والعنصرية، وكراهية المهاجرين، وتقديم القوة على القانون.

صوت الشارع.. الأهم

بعد 16 عاماً، قال الشارع المجري كلمته. رفض هذا النموذج. رفض أن تبقى بلاده رهينة لهذا المشروع السلطوي. وحين يهتف الناس اليوم “الحرية لفلسطين”، فهذه ليست تفصيلة رمزية — هذه إشارة إلى أن الوعي الشعبي بات يربط بين فلسطين وبين كل المعارك ضد الاستبداد، والعنصرية، والإفلات من العقاب.


بالنسبة لنا، أهمية ما جرى لا تكمن في الوهم بأن أوروبا ستنصف فلسطين تلقائياً. بل في أن أحد أعمدة الحماية السياسية لإسرائيل من داخل أوروبا قد تهاوى. هذا لا ينهي الإبادة، ولا ينهي الاحتلال، ولا ينهي تواطؤ الغرب. لكنه يُضيّق المساحة التي كانت تتمتع فيها إسرائيل بحلفاء مستعدين لتعطيل أي مساءلة، مهما بلغ حجم الجريمة.

المعسكر الذي حمى نتنياهو، وهاجم المحكمة الجنائية الدولية، وعطّل المواقف الأوروبية — ليس قدراً.. ويمكن هزيمته.

في المقال التالي عن تداعيات نتائج الانتخابات ؛ سنقدم لكم تحليلا حول المسار الجديد للمجر وتداعياته على القضية الفلسطينية، وعلاقته مع روسيا.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *