​تحليل سياسي | خاص “جمهورية فلسطين”

​يُقدَّم بيتر ماغيار اليوم في الدوائر الليبرالية كرمز للتحول الديمقراطي في هنغاريا. لكن القراءة البنيوية لمساره، خاصة من منظور حركات التحرر الوطني واليسار الفلسطيني، تتطلب حذراً ثورياً — وهو ما تكشفه المتابعة الدقيقة لأدائه داخل أروقة البرلمان الأوروبي.

​انشقاق داخل النخبة، لا قطيعة مع المنظومة

​ماغيار ليس صوتاً قادماً من القواعد الشعبية أو الحراكات العمالية، بل هو ابن “الأوليغارشية” الحاكمة. هو عضو سابق في حزب “فيدس” اليميني، وعمل لسنوات في قلب ماكينة السلطة قبل خروجه عام 2024. هذا التحول لا يبدو مراجعة فكرية جذرية لانحيازات الحزب اليمينية، بقدر ما هو صراع أجنحة داخل الطبقة الحاكمة وانعكاس لأزمة بنيوية في النظام.

​الارتماء في الأحضان الأطلسية.. فك الارتباط مع الشرق

​تطرح القطيعة الراديكالية التي يبشر بها ماغيار مع موسكو تساؤلات كبرى حول جوهر مشروعه. فبينما كان سلفه أوربان يمارس “براغماتية يمينيه” غريبة الأطوار —يتحالف مع الصهيونية ويمد يداً لروسيا في آن واحد لتأمين مصالحه— يأتي ماغيار ليحسم الخيارات نحو “الاندماج الأطلسي الكامل”.

​إن سعيه لقطع خيوط العلاقة مع الشرق ليس دفاعاً عن “السيادة”، بل هو استبدال تبعية بتبعية أخطر؛ إنه يقدم هنغاريا كـ “تلميذ مطيع” داخل حلف الناتو، مقايضاً الهامش المناور الذي كان متاحاً بصك غفران من واشنطن وبروكسل لتثبيت أركان حكمه الجديد.

​التواطؤ عبر الصمت حول فلسطين

​الأكثر دلالة في مساره هو “الفراغ الموقفي”: غياب تام لأي إدانة لجرائم الإبادة الجماعية في غزة، وصمت مطبق تجاه سياسات الفصل العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي. في البرلمان الأوروبي، فضل ماغيار الانكفاء على ملفات “الفساد الإداري” والسيادة القانونية، متجنباً الصدام مع القوى الإمبريالية. هذا الصمت ليس حياداً، بل هو انحياز ضمني للوضع الراهن، واختبار سقط فيه ماغيار قبل أن يبدأ.

​الارتهان ليمين الوسط الأوروبي

​تموضع ماغيار داخل “حزب الشعب الأوروبي” يضعه في قلب تيار المحافظين الجدد — وهو التيار الذي يطوع القانون الدولي لخدمة المصالح الجيوسياسية الغربية بانتقائية فجة. هذا الانضواء تحت عباءة “المركزية الأوروبية” يحدد سقفاً منخفضاً جداً لأي آمال بتغيير حقيقي في السياسة الخارجية تجاه قضايا الشعوب المقهورة.

​سقوط أوربان.. إزاحة العائق لا انتصار القضية

​تكمن أهمية التحول في هنغاريا، من منظورنا، في كسر حلقة “الفاشية الجديدة” التي مثلها أوربان؛ فقد كان الأخير يشكل خندقاً متقدماً لحماية نظام الاحتلال، ومعطلاً ممنهجاً لأي عقوبات ضد المستوطنين أو ملاحقة مجرمي الحرب أمام الجنائية الدولية.
سقوط أوربان هو سقوط لأداة وظيفية صهيونية، لكن البديل لا يزال يتبنى لغة “النيوليبيرالية” الباردة.

​المهمة الراهنة: الضغط الشعبي والأممي

​هذا الفراغ السياسي ليس مساحة للتفاؤل الساذج، بل هو ميدان للاشتباك السياسي. إن المواقف لا تُمنح كصدقات من النخب الجديدة، بل تُنتزع عبر النضال المنظم. المطلوب اليوم هو بناء جسور تضامن عابرة للحدود مع القوى التقدمية، والنقابات، والفاعلين في المجتمع المدني الهنغاري، لفرض قضية فلسطين كقضية تحرر عالمية لا تقبل القسمة على أجندات بروكسل أو بودابست.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *