وداد البرغوثي | كاتبة فلسطينية

هكذا يصيغون أخبارهم.،هكذا يحاولون أن ينشروا حالة من العمى على أبصار العالم وبشكل خاص على أبصار وبصائر مستوطنيهم. لكنّ تضليل الأبصار والبصائر لا يلغي الحقيقة ولا يغيّر المصائر. فنحن في عالم لا يمكن أن يخفى فيه شيء.

فالعاجل تلو العاجل، صاروخ انشطاري إيراني يسقط في “تل أبيب”، صاروخ في بئر السبع، في “إيلات”، في حيفا، في صفد، صفّارات الإنذار تدوي في “أسدود”، قصف صاروخي على “كريات شمونة”، في مستوطنات غلاف غزة، لا إيران تتعب ولا المقاومة في لبنان تكلّ.

ففي كلّ لحظة يتنطّح إعلامهم وعسكريوهم لممارسة مهاراتهم في “تغطية الشمس بالغربال” : وتضليل الرأي العامّ، فيسارعون إلى الإعلان عن سقوط الصاروخ في منطقة مفتوحة، أو أنّ الشظايا وقعت في منطقة غير مأهولة بالسكان، لم تسجّل إصابات.

ويفرضون الرقابة المشدّدة على الصحافيين والمستوطنين والمواطنين الفلسطينيين من التصوير أو النشر، ويهدّدون بالاعتداء والويل والثبور وعواقب الأمور لمن يخرج عن نصّهم. فدائماً يحاولون أن يظهروا بمظهر المنتصر ويريدون أن يبُقوا المستوطنين في الملاجئ والذين يعانون من الانحشار الطويل فيها .

لكنّ أيّ مواطن من داخل الأرض المحتلة، أو سائح أو صحافي أجنبي أوجدته الصدفة هناك، شاهد على الحدث سيحدّثك عن دمار في “تل أبيب” أو حيفا أو شمال فلسطين بفعل الصواريخ البالستية والانشطارية الإيرانية أو بفعل صواريخ المقاومة الإسلامية في لبنان.

سيقول لك وقد قال كثيرون كأنّني أرى دمار غزة. ولسان حاله ينطق المقولة الخالدة “الحقيقة ما ترون لا ما تسمعون” . لكنهم لا يريدون لأحد أن يرى أو يسمع إلا من خلال إعلامهم الضال والمضلّل.. فما يخرج للعيان وعلى الشاشات ليس إلا النزر اليسير، والرقابة مشدّدة والملاحقة صارمة من أجل تمرير أكذوبة تفوّقهم.

ولطالما أعلنت الحكومة الصهيونية عن عدم وجود رقابة على حرية الصحافة وحرية التعبير إلّا أنّ الواقع يقول إنّ الحرية الوحيدة المتاحة لديهم هي حرية القتل والحرق والتدمير ما دام المستهدف من ذلك هو الفلسطيني أو أيّ شخص من محور الأعداء.

لكن ما أكده الباحث الفلسطيني أمل جمال في كتاب له أنّ لجنة الرقابة أو ما يسمّونه بهيئة المحرّرين مكوّنة من رؤساء التحرير في وسائل الإعلام المختلفة (مرئي مسموع ومكتوب) إضافة إلى ممثّل عن “الجيش” وممثّل عن المخابرات وغيرهم من الممثّلين الرسميين لسلطة وأجهزة الجيش.

ومن تحت أيديهم كان يمرّ إلى وسائل الإعلام ما يسمّونه بـ “سمح بالنشر” . هذا قبل عقدين من الزمن، قبل أن تعمل مقصلة الرقيب ومقصّه على إعدام الأخبار. اليوم ومنذ حرب الإبادة على غزة وتشديد الرقابة يسارع إعلامهم والفضائيات التي تسارع لنشر روايتهم إلى إخفاء الحقائق حين يتعلّق الأمر بتأثيرات ونتائج الفعل المقاوم على المستوطنات والمواقع الحسّاسة في الكيان بينما يسارعون إلى الإعلان عن أيّ شظية تسقط في مدينة أو موقع عربي.

الآن، وخلال كتابة هذا المقال سقط صاروخ عنقودي إيراني على “تل أبيب”، وسقطت شظايا من صاروخ على الأرجح أنها من صاروخ اعتراضي في كفر قاسم العربية، فقد تصدّر ما حدث في كفر قاسم الأخبار فيما لا يذكر إعلامهم والتابعون أثر الصاروخ على “بتاح تكفا” و”شاعر شمرون”، وإن ذكر فبتعتيم تامّ على الحقائق والخسائر.

ولا ينفصل ذلك عن تعليمات نتنياهو لمسؤولي المستوطنات ببذل كلّ جهد لمنع الهجرة من مستوطنات الشمال، فيما ردّ عليه رئيس بلدية “كريات شمونة” بأنّ “كريات شمونة” لم يتبقَ فيها سوى عشرة آلاف ولن يتبقّى فيها سوى عشرة أشخاص. علماً بأنّ عدد مستوطنيها اقترب من 25 ألفاً قبل طوفان الأقصى.

ولا بدّ أن نذكر هنا أنّ الفلسطينيين في الداخل احتجّوا كثيراً لاستشعارهم بل ليقينهم أنّ هناك تعمّداً لإطلاق الصواريخ الاعتراضية من مواقع قريبة من القرى والمناطق العربية بهدف زرع كراهية المقاومة في قلوب المواطنين الفلسطينيين وتأليب الرأي العامّ الفلسطيني عليها سواء كانت إيرانية أو لبنانية. ويستغلّ الاحتلال ذلك، وهذا ما حصل حين سقطت الشظايا الاعتراضية في قرية الزراير وجلجولية وبيت مما عوا ومناطق أخرى في الداخل المحتل وفي الضفة.

وسبحان الله، االخسائر المادية والبشرية لا تحدث إلا في المناطق العربية؟

الكلّ في هذا العالم عرباً وصهاينة يدرك حجم التعتيم الإعلامي وحجم القلب الوجودي وحجم الكذب والتضليل الذي يمارسه العدو، إلّا في حالات يسود فيها الإرباك ويفقدون السيطرة فتظهر للعلن بعض الفيديوهات والصور والأصوات. فالمحتل الذي يفتّش كاميرات البيوت والمحال التجارية ليل نهار في الضفة الغربية أصبح يفرض على مستوطنين تعطيل كاميراتهم كي لا تتسرّب أيّ صورة تشوّش على المشاهد الكاذبة التي يفبركونها، والصور التي يرغبون في نشرها بديلاً عن صورة الهزيمة التي يمنون بها كلّ ليلة.

وبالمقابل فإنّ إعلام محور المقاومة يعلن أولاً بأوّل بالصوت والصورة والأسماء والأرقام عن شهدائه وجرحاه ومواقع القصف والتدمير. وهذا دليل قاطع إضافي على مصداقيّة المقاومة مقابل أكاذيب الصهيو ـــــ أميركي.

وتبقى الكلمة للميدان التي وعد بها صاحب الوعد الصادق الشهيد الأقدس والأسمى السيد حسن نصر الله حين قال كلمته الخالدة : بيننا وبينكم الميدان والأيام. وها هو الميدان وها هي الأيام.

وداد البرغوثي أديبة فلسطينية وأستاذة إعلام في جامعة بيرزيت- فلسطين. والدة الأسير قسام البرغوثي.

نُشر المقال على موقع الميادين

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *