الأراضي المحتلة | خاص “جمهورية فلسطين”

​في خطوة تبرهن مجدداً على طبيعة الدور الوظيفي الذي أُنشئت من أجله منظومة أوسلو كأداة أمنية في يد القوى الاستعمارية، أقدمت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية على تسليم المناضل محمود العدرا، المعروف باسم “هشام حرب”، إلى السلطات الفرنسية. وتأتي هذه الجريمة لتكشف للقاصي والداني أن هذه السلطة، التي لم تكن يوماً حامية للمقاومة، ما هي إلا “مقاول أمني” عابر للحدود، يلاحق المناضلين على ماضيهم النضالي الذي يعود لأكثر من أربعة عقود.

​هذا السلوك المشين يضع السلطة في مواجهة حتمية مع التاريخ، خاصة عند مقارنته بنموذج المناضل الأممي جورج إبراهيم عبد الله، الذي انتزع حريته بصموده من السجون الفرنسية العام الماضي بعد أربعين عاماً من الأسر. وبينما جسّد عبد الله بصلابته انكسار الإرادة الاستعمارية، تأتي السلطة اليوم لتقدم لباريس “تعويضاً أمنياً” عبر تسليمها لمناضل ستيني ملاحق على خلفية انتمائه لعمل ثوري دافع عن الوجود الفلسطيني إبان مجازر الاجتياح في لبنان. إن المفارقة هنا تفضح حقيقة هذه المنظومة؛ ففرنسا التي فشلت في كسر إرادة جورج عبد الله طوال عقود، تجد في أجهزة أمن السلطة شريكاً طيعاً ومخلصاً يسهل لها مهمة الانتقام من الرعيل الأول للمقاومة.

ويأتي هذا “النفي الأمني” للمناضل حرب متزامناً مع السابع عشر من نيسان، “يوم الأسير الفلسطيني”، ليشكل إهانة صارخة لنضالات آلاف الأسرى القابعين في زنازين الاحتلال. ففي الوقت الذي تخرج فيه الجماهير لتمجيد صمود الحركة الأسيرة والمطالبة بكسر القيد، تختار السلطة أن تفتح “فرعاً جديداً” لسجون الاستعمار، وتزيد من قائمة الأسرى الفلسطينيين في الخارج بيد “فلسطينية”. إن تزامن التسليم مع يوم الأسير ليس مجرد صدفة زمنية، بل هو إعلان رسمي من سلطة رام الله بأنها اختارت التخندق في خندق السجانين، محولةً ذكرى الصمود إلى يوم لملاحقة وتسليم من تبقى من رائحة الكفاح المسلح.

​إن عملية التسليم هذه لا تخرج عن السياق الذي تأسست عليه السلطة كوكيل أمني للاحتلال وحلفائه؛ فمن التنسيق الأمني في أزقة المخيمات، انتقلت السلطة اليوم إلى مرحلة “التصدير الأمني” للمناضلين إلى السجون الدولية. ففرنسا، التي لم تتوقف يوماً عن دعم الماكينة العسكرية الصهيونية، تجد في المقاطعة برام الله من يفتح لها الأبواب لممارسة ساديتها القضائية بحق فدائيين انخرطوا في الكفاح المسلح. هذا الفعل ليس مجرد “انحراف”، بل هو تجلٍ صريح لهوية هذه السلطة التي تفتقر للسيادة الوطنية وتعمل كذراع ممتد للقضاء الاستعماري لتجريم تاريخ الشعب الفلسطيني النضالي.

​ختاماً، فإن قضية “هشام حرب” تضع كافة القوى الوطنية واليسارية أمام مسؤوليتها في تعرية هذا النهج الذي يحول الفلسطيني إلى “ورقة مقايضة” في الصفقات الأمنية المشبوهة. إن الحرية التي انتزعها جورج عبد الله بصلابته تظل هي النموذج المقاوم، بينما يبقى فعل السلطة وصمة عار تؤكد أن هذه المنظومة ليست سوى حارس لمصالح القوى التي تآمرت على الشعب الفلسطيني منذ النكبة وحتى اليوم. إن المقاومة ستبقى حقاً لا يسقط بالتقادم، ولا يملك وكلاء الاستعمار الحق في محاكمته أو تسليمه.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *