في مقال مطول بعنوان: “الإبادة الثقافية والمقاومة في فلسطين”، نُشر في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ذكرت الأستاذة البلجيكية ماريان بلوم، التي أنشأت قسم اللغة الفرنسية في جامعة الأزهر وأقامت في غزة نحو عشرة أعوام، أن “على مدى 76 عاماً، تسعى إسرائيل جاهدةً لمحو الفلسطينيين”.
وترى بلوم أن “إحدى أفضل الطرق لإبادة جماعة هي تدمير تراثها الثقافي”. فبعد حرب 1948، وتهجير ثلثي السكان، شُكِّلت لجنة لتهويد الأراضي، وتمّ تدمير قرابة 615 بلدة وقرية فلسطينية اختفت من الخريطة. وصاحب ذلك نهب قرابة 70 ألف كتاب ووثيقة صُنفت كـ “ممتلكات غائبين”.
وفي سياق المحو الثقافي، عرض نتنياهو في أيلول 2024 خريطة تُظهر الضفة الغربية كجزء من إسرائيل تحت مسمى “يهودا والسامرة”. كما استولت القوات الإسرائيلية في بيروت 1982 على أرشيفات “مركز الأبحاث الفلسطيني” التي تضمنت وثائق وخرائط وأفلاماً تاريخية بالغة الأهمية.
يمتد التذويب الثقافي ليشمل “الأثواب التقليدية” التي قُدمت في مسابقة ملكة جمال الكون 2020 كجزء من الثقافة الإسرائيلية. كما تم اقتلاع أو تدمير ما لا يقل عن 800 ألف شجرة زيتون منذ عام 1967، وهي الشجرة التي ترمز لصمود الفلاح الفلسطيني وجذوره في أرضه [1].
وتستمر المقاومة عبر عرض الخرائط التاريخية وتوثيق القرى المدمرة كما فعل المؤرخ وليد الخالدي وخليل التفكجي. وبعد قبول فلسطين في اليونسكو سنة 2011، أُدرجت مواقع كنيسة المهد وبتير والخليل على قائمة التراث العالمي، وفي 2021 أُدرج التطريز كإرث غير مادي لحمايته من السرقة.
تدمير التراث بهدف محو آثار التاريخ
تحدثت المؤرخة آن ماري إده عن مبادرة بجامعة السوربون لتسليط الضوء على عمق غزة التاريخي. وترى أن الحرب منذ أكتوبر 2023 تنطوي على رغبة مُمنهجة في تدمير التراث لمحو آثار التاريخ الفلسطيني، حيث تم تحديد حوالي مائة موقع دُمر جزئياً أو كلياً حتى الآن.
من أبرز هذه المواقع “قصر الباشا” و”المسجد العمري الكبير” الذي يختزل حقباً تاريخية متتالية. وتؤكد إده أن تدمير المدن (Urbicide) ليس هدفاً عسكرياً، بل هو تدمير لبناء الهوية؛ فعندما تُدمر جامعة أو تُجرف مقبرة، فإن الهدف هو منع السكان من تخيل مستقبلهم في أرض بلا ذاكرة [2].
المواقع الأثرية التي دمرت أو تضررت
أفاد تقرير أممي في حزيران 2025 بوقوع هجمات متعمدة على المعالم التاريخية، واصفاً تدمير المواقع الثقافية والتعليمية بـ “جرائم حرب” [3]. وبحلول شباط 2025، قدّر البنك الدولي أن 53% من المواقع التراثية قد تضررت، بخسائر بلغت حوالي 120 مليون دولار.
إلى جانب المسجد العمري، دُمر مسجد عثمان بن قشقر وتضرر دير القديس هيلاريون (تل أم عامر)، وهو أقدم مجتمع رهباني في الشرق الأوسط وأُدرج مؤخراً على قائمة التراث المهدد بالخطر [4]. كما تضررت كنيسة القديس بورفيريوس ومستشفى المعمداني الذي يبلغ عمره 141 عاماً.
وفي نهاية 2024، دُمر “حمام السمرا” العثماني و”الأرشيف المركزي” الذي يضم وثائق غزة التاريخية. وطال الدمار متاحف مثل “القرارة” و”متحف جامعة الإسراء”، مع تقارير عن نهب قطع أثرية نادرة شوهد جنود إسرائيليون يتفاخرون بها في مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي [5].
كما قُصف موقع البلاخية (أنثيدون اليونانية) وموقع تل السكن وتل العجول التي تعود للعصور البرونزية. ولحقت أضرار جسيمة بمقام الشيخ علي المنطار والمقابر العسكرية للكومنولث، ومقر بلدية غزة التاريخي وسينما سمير ونصر التي ميزت الحياة الثقافية في منتصف القرن العشرين [6].
حصر التراث الثقافي والحفاظ عليه
أطلق باحثون دوليون مجلة “فرضيات” لحصر التراث المدمر وتدريب السكان على الحفظ [7]. كما يتولى معهد العالم العربي في باريس رسم خرائط “جرد تراث غزة خاضع للقصف” بناءً على صور الأقمار الصناعية وشهادات علماء الآثار المحليين الذين يعملون تحت ظروف قاسية [8].
بفضل “صندوق التراث في حالات الطوارئ” التابع لليونسكو، تم تنظيم جهود محلية لحماية ما تبقى، حيث جرى إخلاء ونقل أكثر من 2000 قطعة أثرية من متحف القرارة الثقافي لتأمينها من عمليات القصف المستمرة التي تستهدف المعالم المدنية والتراثية في القطاع [9].
الخاتمة
اعتبر رفائيل ليمكين أن الإبادة لا تقتصر على الوجود البيولوجي بل تشمل الاستمرارية الثقافية. وفي مقال حديث، نقل المعماري إيال وايزمان عن جندي إسرائيلي قوله إن العائدين لن يجدوا شيئاً، لا أوراقاً ولا صوراً ولا منازل، لن يجدوا سوى الرمال في حالة من الارتباك التام [10].
المصادر والروابط التوثيقية:
[1] الإبادة الثقافية والمقاومة في فلسطين – Agir par la culture
[2] آن ماري إده: رغبة ممنهجة لتدمير التراث – L’Orient-Le Jour
[3] تقرير الأمم المتحدة حول جرائم الحرب ضد التراث – Le Figaro
[4] دير القديس هيلاريون على قائمة التراث العالمي – Le Figaro
[5] محو التراث الديني والثقافي في غزة – Middle East Eye
[6] حصيلة كارثية للتراث في غزة – The Conversation
[7] جرد التراث المدمر في غزة – Le Quotidien de l’Art
[8] خرائط التراث المهدد بالخطر – Radio France
[9] ماذا تبقى من تراث غزة؟ – Radio France
[10] لن يجدوا سوى الرمال – Alencontre
المصدر:
نُشر هذا المقال بالأصل في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بتاريخ 20 نيسان 2026.
إعداد الكاتب: ماهر الشريف.
حقوق النشر: محفوظة للمؤلف وللمصادر المذكورة في قائمة الإحالات أعلاه.





