إيطاليا – “جمهورية فلسطين”
لم تكن ذكرى الخامس والعشرين من أبريل في جزيرة سردينيا الإيطالية هذا العام مجرد استعادة لبروتوكولات تحرير إيطاليا من الفاشية، بل تحولت إلى منصة للاشتباك السياسي والمبدئي مع الواقع الراهن. حيث أطلقت حركة “سردينيا من أجل فلسطين” بياناً سياسياً حاداً، أعاد تعريف مفهوم “مناهضة الفاشية” خارج الأطر التاريخية الجامدة، معتبراً أن إحياء ذكرى النصر على النازية وفاشية “موسوليني” يظل منقوصاً وعاجزاً ما لم يتقاطع بشكل عضوي مع النضال الفلسطيني المعاصر. هذا الموقف الذي صاغته الحركة يضع القوى التقدمية واليسارية أمام اختيار حاسم، إذ لا يمكن الاحتفاء بالحرية في روما أو كالياري مع غض الطرف عن سلبها في القدس وغزة، مشدداً على أن الانحياز لفلسطين هو الاختبار الحقيقي لمصداقية الإرث التحرري الأوروبي.
وفي قراءة تاريخية جسرت المسافات بين “بارتيزان” الأمس ومقاومي اليوم، ربط البيان بين تجربة الإيطاليين في مواجهة الاحتلال النازي وبين كفاح الشعب الفلسطيني ضد محاولات الإلغاء والاقتلاع الاستيطاني.
وانطلق الخطاب من رؤية تعتبر المقاومة ضرورة وجودية تفرضها وقائع سلب الأرض وتدمير الهوية، وليست مجرد خيار أيديولوجي ترفي. هذا الربط يسعى إلى تحطيم السردية السائدة التي تحاول عزل القضية الفلسطينية عن سياق حركات التحرر العالمي، مؤكداً أن الجرح الذي نزفت منه أوروبا في منتصف القرن العشرين هو ذاته الذي ينزف اليوم على أرض فلسطين، حيث يتشابه الضحايا في إرادة الحياة ويتطابق المستعمرون في منطق الإبادة.
ولم يغفل البيان الواقع الدامي في قطاع غزة، بل وضعه في قلب الجدل السياسي بوصفه “إبادة جماعية ممنهجة” تجري فصولها تحت بصر وسمع المجتمع الدولي.
وأدان الخطاب استهداف البنى التحتية من مستشفيات وجامعات، معتبراً أن تدمير مقومات الحياة في غزة هو تطبيق عملي للفاشية الجديدة التي تتغذى على الغطاء السياسي والعسكري الغربي. وفي هذا السياق، وجهت الحركة انتقاداً لاذعاً لتحولات القارة الأوروبية التي باتت تنزلق نحو “اقتصاد الحرب”، حيث تُوجه الموارد من قطاعات الرفاه الاجتماعي والصحة والتعليم إلى خزائن الصناعات العسكرية، ما يعكس تواطؤاً بنيوياً يخدم القوى المهيمنة على حساب الشعوب المقهورة والطبقات الكادحة في أوروبا على حد سواء.
كما امتدت قراءة الحركة لتشمل ملف الأسرى الفلسطينيين، مسلطة الضوء على سياسات الاعتقال الإداري والتعذيب كأدوات لكسر إرادة الشعوب، في ظل صمت دولي مريب يقابله قمع متزايد لحركات التضامن داخل القارة الأوروبية.
واختتمت الحركة موقفها بالتأكيد على أن “إسرائيل” تمثل اليوم النموذج الأكثر فجاجة للمشروع الاستعماري الاستيطاني المدعوم إمبريالياً، ما يجعل من مناهضة الصهيونية واجباً أخلاقياً وسياسياً لكل من يدعي الانتماء لمدرسة مناهضة الفاشية. إن هذه الصرخة السياسية القادمة من سردينيا تؤسس لمرحلة جديدة من العمل الشعبي الذي يرفض الحياد في معارك التحرر، مؤكداً أن المعركة ضد الظلم واحدة، من خنادق المقاومة الإيطالية القديمة إلى أزقة المخيمات الفلسطينية الصامدة.





