فلسطين المحتلة – خاص “جمهورية فلسطين”

​لم تنتهِ الانتخابات حين أُغلقت صناديق الاقتراع في الضفة الغربية، بل لعلها بدأت حينذاك؛ بدأت تكشف ما كان موارباً خلف الإجراءات: عملية سياسية ممنهجة لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني، لا نحو الفعل السياسي الواعي، بل بعيداً عنه — بعيداً عن أي إمكانية لقول “لا” بصوت جماعي ومنظم.
إن ما جرى لا يمكن قراءته كاستحقاق ديمقراطي عابر، بل هو عملية منظمة لإعادة صياغة المجال العام الفلسطيني عبر تفريغ السياسة من مضمونها القيمي، واستبدالها ببنية عشائرية خدمية تُسهّل التحكم في المجتمع وتمرير تحولات أعمق تحت غطاء “الإدارة المحلية”. إن هذا التحول يحوّل المواطن من شريك في مشروع تحرر وطني إلى مجرد “زبون” يبحث عن الحد الأدنى من الخدمات في كانتونات معزولة، مما يقتل روح التمرد الجماعي ويستبدلها بقلق المعيشة الفردي.

​تأتي هذه الانتخابات في لحظة تاريخية فارقة لا يمكن القفز عنها؛ حيث حرب الإبادة المفتوحة، وتصاعد إجراءات “حكومة الحسم” الصهيونية التي تعمل على تصفية الوجود الفلسطيني عبر التوسع الاستيطاني المسعور وخنق الحيز العام في الضفة.
وفي ظل هذا التعقيد، يبرز ضغط دولي تقوده الولايات المتحدة لفرض تشكيلات سياسية جديدة وتدويل الحكم في قطاع غزة، مما جعل الفريق المسيطر في المؤسسة الرسمية (المنظمة والسلطة) يشعر بخطر التفكيك والانهيار. وكما يرى الباحث أحمد الطناني، فقد دفع هذا الخطر نحو البحث عن أشكال دفاعية لترميم الشرعية، وتقديم صورة “إصلاحية” تستجيب لشروط المانحين والاشتراطات التي تتابعها فرنسا ودول إقليمية، لضمان صلاحية السلطة للعمل في المرحلة القادمة وتجنب سيناريوهات الإزاحة الدولية.

​إن الأرقام والوقائع تتحدث عن غياب الصراع السياسي الحقيقي؛ ففي نحو ثمانين بالمئة من البلديات، دارت المنافسة داخل الإطار نفسه. هذا “الضبط” لم يكن عفوياً، بل جرى تشريعه عبر “الهندسة القانونية” المسبقة؛ حيث يشير الطناني إلى أن القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 فرض على المرشحين إقراراً بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير السياسي، وهو ما أضفى بعداً سياسياً إقصائياً على عملية يُفترض أنها محلية وخدمية. هذه الاشتراطات التي كانت محل طعن دستوري (رقم 3/2026)، حوّلت الانتخابات من مساحة للتنافس الحر إلى آلية لتصفية الخيارات واستبعاد المعارضة، فتم التحكم في النتائج قبل أن تبدأ العملية.

​والأخطر في هذا المشهد هو التحول البنيوي العميق: انتقال مركز الثقل من “الفعل السياسي” إلى “الثقل العشائري”. إن تراجع النخب السياسية وصعود الاعتبارات العائلية واختزال الانتخابات في بُعدها الخدماتي ليس أمراً عرضياً، بل هو إعادة تعريف ممنهجة للمجتمع؛ من مجتمع سياسي قادر على الفعل الجماعي والاحتجاج، إلى مجتمع خدماتي مجزأ، يسهل ضبطه واختراقه وتمرير الصفقات الكبرى من فوق رأسه في ظل انشغال الجميع بهموم المعيشة اليومية.

​وفي غزة المحاصرة والمبادة، تبرز “دير البلح” كحالة دراسية استثنائية تُعرّي أهداف العملية برمتها. فبرغم واقع الإبادة ومسخ الجغرافيا، أصرت القيادة على تنظيم الانتخابات في هذا المجلس المحلي الوحيد. وكما يحلل الطناني، فإن الهدف هو وضع “مسمار جحا” يمتلك شرعية انتخابية في القطاع لمواجهة أي لجان “تكنوقراط” قادمة لا تمتلك غطاءً وطنياً، وهو تكتيك سياسي يهدف للحفاظ على المرجعية السياسية للفريق الحاكم ضمن ترتيبات “اليوم التالي” للحرب التي تُرسّم خرائطها الآن خلف الكواليس، حيث يُراد لهذا النموذج أن يكون ‘بروفة’ لإدارة غزة مستقبلاً بوجوه تمتلك شرعية الصندوق لكنها فاقدة للقرار الوطني المستقل.

​أما الموقف الوطني والمجتمعي، فقد كان شريكاً في هذا الفراغ بامتيازه؛ حيث يرى الطناني أن موقف القوى الوطنية والإسلامية جاء “مجاملاً” وحمَل محذوراً خطيراً، خاصة حين بررت امتناعها عن الترشح برغبتها في “تخفيف المعاناة”، وهو قبول ضمني بمنطق إزاحة البنية المنظمة عن المشاركة السياسية والخدماتية.
إن “الانحناء للموجة” وتجنب النقد الحقيقي للإجراءات التي تُسوق كـ “إصلاحات”، بذريعة تعزيز الخطاب الوحدوي، سيُفضي حتماً إلى نتائج سلبية تعزز من شعور الأطراف المهيمنة بالحصانة الدائمة وتكرس سطوتها على المؤسسة الرسمية، بدلاً من الذهاب لترميم الشرعية بشكل وطني وتكاملي.
لقد آثرت القوى الصمت، فأسهمت في تثبيت هذا النموذج الهجين، وهي استقالة تاريخية تضع هذه القوى اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استعادة الشارع بمشروع مواجهة حقيقي، أو القبول بدور “شاهد الزور” على تصفية المجال العام الفلسطيني.

​إن ما جرى هو هندسة واضحة للشرعية وضبط للمجتمع، والنتيجة الحتمية هي مجتمع أقل قدرة على الفعل السياسي، ونظام أكثر قدرة على السيطرة. هذا المسار، إن استمر دون مواجهة وطنية شاملة تقوم على وحدة حقيقية وترميم حقيقي للشرعيات بعيداً عن “الهندسة المسبقة”، لن يتوقف عند حدود المجالس المحلية، بل سيمتد ليطال شكل النظام السياسي الفلسطيني وجوهره.

انتهت الانتخابات، لكن الفراغ الذي صنعته لا يزال ينتظر من يملؤه، وكيفية ملء هذا الفراغ هي السؤال السياسي الوحيد الذي يستحق الإجابة الآن.

هيئة التحرير – موقع جمهورية فلسطين | ربيع 2026

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *