الانتخابات المحلية بين الشكل والمضمون: هل تعبّر فعلاً عن إرادة الفلسطينيين؟
بقلم: عمر فارس – ناشط سياسي فلسطيني مقيم في بولندا
يفترض أن تكون الانتخابات المحلية التعبير الأصدق عن إرادة الناس، نظراً لارتباطها المباشر بحياتهم اليومية وما تشمله من خدمات وشوارع ومدارس ومستقبل لمجتمعاتهم، غير أن الواقع الفلسطيني يكشف أنها تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة نفسها، بدلاً من أن تكون وسيلة للتغيير والمساءلة؛ ففي ظل هيمنة القيادة الحالية برئاسة محمود عباس، تتراجع معايير التعددية السياسية لصالح ترتيبات مسبقة تُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي، فبدلاً من التنافس الحر بين القوائم، نشهد توسع ظاهرة “التزكية” وغياب المنافسة في عدد كبير من الهيئات المحلية، ما يجعل الانتخابات أقرب إلى إجراء شكلي منها إلى ممارسة ديمقراطية فعلية.
واحدة من أبرز الإشكاليات تكمن في تداخل السلطة مع حركة فتح، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين الدولة والتنظيم، وهذا التداخل يخلق بيئة غير متكافئة تُستخدم فيها الإمكانيات الرسمية والنفوذ الإداري لترجيح كفة طرف على حساب آخر، وفي ظل هذه الظروف، لا يكون المواطن أمام خيارات حقيقية، بل أمام نتائج تبدو محسومة سلفاً؛ كما تبرز مشكلة غياب المساءلة، خاصة في الحالات التي تُفرض فيها القوائم دون منافسة، أو يتم الحد من التعددية بوسائل مباشرة أو غير مباشرة، وهذا الغياب للمحاسبة يفتح الباب أمام سوء الإدارة ويُضعف ثقة المواطن بالمؤسسات، ويحوّل المجالس المحلية إلى امتداد للسلطة بدلاً من أن تكون ممثلة حقيقية للمجتمع.
وفي هذا السياق، تثير بعض الشخصيات المرتبطة بمحيط القرار السياسي جدلاً واسعاً، ومن بين هذه الأسماء ياسر عباس، نجل الرئيس، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كشخصية تسعى إلى تعزيز حضورها في الصف السياسي الأول، وهذا الحضور المرتبط بقربه من مركز القرار يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة النفوذ داخل النظام السياسي، وحدود الفصل بين العلاقات العائلية والعمل العام، خاصة في ظل الانتقادات المتكررة في الإعلام والرأي العام بشأن تضارب المصالح واستفادة بعض المقربين من مواقع السلطة، كما تعكس اللقاءات الرسمية، مثل استقباله في مقرات الأجهزة السيادية، طبيعة إدارة المشهد من داخل دائرة ضيقة بعيداً عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وهو ما يعزز الانطباع بأن القرار السياسي لا يُصنع عبر آليات ديمقراطية مفتوحة، بل ضمن شبكة علاقات مغلقة.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في إجراء الانتخابات بحد ذاته، بل في طبيعتها؛ هل نحن أمام انتخابات حقيقية، أم مجرد واجهة شكلية؟ فالديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع فقط، بل تقوم على بيئة تضمن التنافس الحر، وتكافؤ الفرص، وحق المواطن في الاختيار والمحاسبة، ومن دون ذلك ستبقى الانتخابات المحلية تدور في إطار “ديمقراطية شكلية” تُستخدم لإضفاء شرعية على واقع لا يعكس إرادة الناس، أما التغيير الحقيقي فلن يتحقق إلا بإعادة الاعتبار لصوت المواطن، وفتح المجال أمام تعددية سياسية حقيقية، بعيداً عن الهيمنة والاحتكار وتداخل المصالح.





