برلين | خاص “جمهورية فلسطين”

​أحدثت نتائج انتخابات برلمان ولاية برلين تحولاً سياسياً فارقاً في المشهد الألماني والأوروبي، إثر تصدر “حزب اليسار” الألماني (Die Linke) نتائج الانتخابات بحصوله على نحو 25.7% من الأصوات الثانية، مقارنة بـ 12.2% فقط في الانتخابات السابقة؛ ليغدو القوة السياسية الأولى في العاصمة الألمانية وتبرز قيادته الشابة كفاعل محوري في رسم الخريطة السياسية المقبلة.
​غير أن قراءة هذه النتيجة تتطلب تجنب التبسيط السطحي والتفسيرات الاختزالية؛ فالفوز لم يأتِ نتيجة عامل منفرد، ولا يمكن اختزاله في الموقف من فلسطين وحده، فالانتخابات المحلية تحكمها أزمات الرأسمالية المحلية ومواجهة السياسات النيوليبرالية التي تمس الحياة اليومية للطبقات العمالية والفقيرة، وفي مقدمتها أزمة السكن والإيجارات وجشع الشركات العقارية ومطالب مصادرتها، والعدالة الاجتماعية، وتدهور الخدمات العامة.
​لكن هذا الفهم المادي للواقع المحلي لا ينفي إطلاقاً المحورية التي لعبتها التحولات الهيكلية داخل الحزب خلال العامين الأخيرين، ولا سيما تصاعد القواعد الشابة وشبيبة الحزب، وإعادة ربط النضال الاجتماعي الداخلي بمناهضة الإمبريالية وحروب الإبادة والاحتلال.
​ومن الضروري هنا عدم التعاطي مع حزب (Die Linke) باعتباره كتلة صلبة أو منظومة ذات موقف جذري ثابت منذ البداية؛ فالحزب، شأنه شأن القوى السياسية الأوروبية والمؤسسية، خضع لسنوات طويلة لبنية المفهوم الألماني الرسمي لما يُسمى “مسؤولية الدولة”، واكتوى بنار النقاشات الداخلية الحادة حول الحدود المسموحة لنقد “إسرائيل” والمسؤولية التاريخية الألمانية التي تُستغل تشريعاً لسياسات القمع.
​إلا أن الفترة الأخيرة شهدت صعوداً ملموساً لتيار شبابي وراديكالي أعاد فرض معادلة نقدية جديدة مفادها أنه لا تجزئة في المبادئ، ولا عدالة اجتماعية دون مناهضة الاستعمار والنزعة العسكرية والحروب؛ وهو ما انعكس ضغطاً متواصلاً على القيادات التقليدية لإعادة الاعتماد على القانون الدولي، ومناهضة العنصرية المركبة ضد المهاجرين، ورفض سياسات قمع التضامن الشعبي.
​وقد تجلى هذا التحول المادي والقاعدي في قرارات رسمية حاسمة اتخذها الحزب على المستوى الاتحادي والبرليني؛ حيث أقر الحزب قرارات بشأن غرب آسيا وفلسطين دعت إلى التحقيق الدولي في جرائم الحرب بقطاع غزة، وأكدت على حق الشعب الفلسطيني المطلق غير القابل للتصرف في تقرير المصير، مع التعهد بحماية الحريات الديمقراطية وحق التجمع والتعبير للمتضامنين ضد الفاشية والاحتلال، إلى جانب تبني دعم المبادرات المدنية السلمية لكسر الحصار عن غزة.
​يضاف إلى ذلك اتخاذ المنظمة الولائية للحزب في برلين موقفاً علنياً رافضاً لسياسات الترهيب الأمني وتضييق المجال العام أمام الصوت الفلسطيني، ومواجهة تجريم الكوفية والأعلام والشعارات التحررية.

​إن المتغير الأكثر حيوية وهيكلية داخل الحزب تمثل في صعود جيل جديد من الكوادر والقيادات الشابة الميدانية المتصلة بصلابة مع الحركات الطلابية، والاتحادات النقابية، والأوساط المهاجرة واللاجئة، وهو جيل يرفض إعادة إنتاج الخطاب الاستشراقي أو الرضوخ للمؤسسة الأمنية.
​وهنا يكمن التوصيف المادي الدقيق: الحزب لم يتبدل مجاناً ليصبح “حزباً للمهاجرين” أو “حزباً فلسطينياً”، فهذا تبسيط لا يستقيم مع الممارسة السياسية لحزب برلماني في المركز الرأسمالي الأوروبي؛ بل إن القواعد والشباب والحراك الشعبي استطاعوا جعل التضامن مع القضايا العادلة، وعلى رأسها فلسطين، جزءاً لا يتجزأ من المبادئ الأخلاقية والسياسية للحزب ضد الحروب والتمييز البنيوي والرأسمالية المعولمة.
​وفي هذا السياق التراكمي، يبرز الحضور الفاعل والجذري للجاليات العربية والمسلمة، وفي طليعتها الجالية الفلسطينية في برلين، حيث لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف خارجي، بل تحولت إلى قضية رأي عام ومطلبية داخلية بفضل نضالات التجمعات الشبابية، والمسيرات الأسبوعية، والمواجهات القانونية والسياسية والطلابية داخل الجامعات والمؤسسات والنقابات.

​ولقد أدركت القطاعات الشعبية والمهاجرة ضرورة الانتظام السياسي ومراكمة القوة داخل المؤسسات؛ وقد نجحت وجوه جديدة وشابة في اليسار البرليني “مثل النائبة إليف إيرالب” في بناء جسور عضوية وحقيقية مع الشارع والشباب المهاجر، بالتوازي مع خوض معركة الشوارع ضد لوردات العقارات والفقر الممنهج، حيث إن تضاعف حصة الحزب الانتخابية لم يكن معزولاً عن هذا الالتحام الوثيق بين النضال المطلبي الاجتماعي والنضال الأممي المناهض للإمبريالية.
​غير أن نتائج الانتخابات والصندوق الانتخابي يمنحان الأحزاب فرصة وشرعية، لكنهما لا يمنحانها حصانة من النقد والمحاسبة الشعبية؛ فالاختبار المادي والحقيقي لـ (Die Linke) وقيادته الشابة يبدأ الآن في لحظة التفاوض والتشكيل الحكومي، ويكمن في مدى القدرة على ترجمة وثائق المؤتمرات والوعود الانتخابية إلى مواقف وسياسات عملية صلبة، والامتناع عن تقديم التنازلات السياسية والمبدئية عند خوض مفاوضات الائتلافات الحكومية أو مواجهة الضغوط الأمنية والإعلامية للمؤسسة الحاكمة.
​وهنا تبرز القضية الفلسطينية، والموقف من الهجرة واللجوء، وتفكيك آليات القمع البوليسي كـ “حجر المحك” لمدى جذرية هذا اليسار الجديد؛ فهل ستتحول القرارات الداعمة لغزة وحرية التعبير إلى نضال يومي وتشريعي في البرلمان والشارع، أم ستتراجع أمام ضغوط المؤسسة الحاكمة وائتلافات المصالح الطبقية؟

​ختاماً، وتأسيساً على هذا التحليل الطبقي والسياسي، يجب وضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فحزب (Die Linke) هو حزب برلماني ألماني له حساباته وأولوياته الانتخابية والاجتماعية والداخلية، وليس منظمة تحرر أو حزباً للجاليات بمفردها، فالناخب في برلين صوت في المقام الأول ضد الغلاء، وأزمة السكن، وانهيار الرعاية الاجتماعية.
​إلا أن التجاهل التام لوزن الشارع المناهض للإبادة ولحراك الشباب والمهاجرين لا يقل خطورة عن اختزال الانتخابات في عامل واحد؛ فما شهدته برلين هو بداية تحول اجتماعي وسياسي وإعادة هيكلة لليسار من أسفل، عبر ربط معركة السكن والعدالة الاجتماعية بملفات الهجرة، والحرية، ومناهضة الاستعمار في فلسطين.
​فوز اليسار في برلين ليس محطة استراحة، بل هو تدشين لمعركة جديدة ومفتوحة، وستبقى فلسطين وحقوق شعبها والحرية لأصواتها في ألمانيا واحدة من البوصلات الأساسية التي ستكشف مدى جذرية ومبدئية هذا التحول.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *