خاص – جمهورية فلسطين | بقلم: حمدان الضميري (ناشط فلسطيني – بلجيكا)

​تتقلب أهداف العدوان العسكري الصهيوني في جنوب لبنان بشكل مستمر، مدفوعة بما يواجهه الاحتلال من صمود أسطوري ومقاومة تكبده خسائر فاقت كل الحسابات. لقد بدأت أهداف هذا العدوان في الثاني من شهر مارس الماضي بسقوف مرتفعة جداً، تمثلت في السعي لتدمير حزب الله ونزع سلاحه بالكامل وتفكيك بنيته التحتية، وصولاً إلى إنشاء حزام أمني يمتد إلى نهر الليطاني كحد أدنى. هذا الهدف العسكري تكامل حينها مع موقف سياسي من جانب حكومة لبنان، التي اعتبرت الجناح العسكري للحزب خارجاً عن القانون وغير شرعي، في محاولة لمحاصرة المقاومة داخلياً وخارجياً.

​ومع اصطدام الآلة العسكرية بالواقع الميداني، بدأ مسلسل التراجع في تصريحات قادة الاحتلال؛ حيث انخفض سقف الأهداف للحديث فقط عن إبعاد خطر الحزب عن مستعمرات شمال فلسطين المحتلة، دون التطرق للأهداف الاستراتيجية الكبرى كالحزام الأمني أو المناطق العازلة، وهو ما أكدته تصريحات مسؤولين صهاينة مثل وزير الدفاع “كاتس”. واستمر هذا التراجع حتى وصلنا إلى نغمة تقول إن الهدف الرئيسي هو مجرد نزع السلاح من منطقة جنوب الليطاني، متناسين أن عدم وجود سلاح في تلك المنطقة هو صلب اتفاق أكتوبر 2024 المستند للقرار 1701، والذي لم يحترمه الطرف الصهيوني يوماً، بل استمر في اعتداءاته اليومية التي أدت لاستشهاد ما يقرب من 500 لبناني وتدمير منهجي لعشرات القرى الحدودية بهدف تفريغها وتهجير سكانها.

​إن تفسير هذا التحول التراجعي في أهداف المعتدي يكمن ببساطة في حجم الخسائر العسكرية الفادحة، وقدرة حزب الله المتواصلة على قصف مستعمرات الشمال وتفريغها من سكانها الصهاينة، ناهيك عن وصول الصواريخ إلى قلب الكيان واستهداف القواعد الجوية والمنشآت الصناعية العسكرية الحساسة. وإذا ما أضفنا إلى ذلك “وحدة الساحات” الممتدة من إيران إلى لبنان وصولاً إلى اليمن، فإننا نستطيع القول إن توقف الحرب يعني بالضرورة فشل أهداف العدوان على كافة هذه الجبهات، مما يضع الاحتلال أمام مأزق تاريخي لم يسبق له مثيل.

​ختاماً، فإن هذه الحرب ستنتهي ولكن ليس بشروط أمريكا وحليفها الصهيوني. نحن اليوم أمام مرحلة مفصلية تشبه في تداعياتها ما جرى في أعقاب حرب السويس عام 1956؛ فكما كانت تلك الحرب بداية أفول النظام الاستعماري التقليدي وانتصار فكرة السيادة والتحرر الوطني التي مثلها نظام عبد الناصر، فإننا اليوم نشهد بداية تراجع الهيمنة الأمريكية وتأثيرها في هذه المنطقة الحساسة للاقتصاد العالمي. إن العالم أجمع، وليس المنطقة فحسب، ذاهب نحو مرحلة علاقات دولية مختلفة تماماً، تعيد صياغة مفاهيم القوة والسيادة بعيداً عن الغطرسة التي سادت لعقود.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *