طهران – خاص “جمهورية فلسطين”
في مشهدٍ سياسي وأمني بالغ الدلالة، تراجعت الإدارة الأمريكية صاغرةً عن سقف تهديداتها العالية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، معلنةً قبولها التهدئة والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار شامل، هذا التحول الدراماتيكي جاء بعد ساعات قليلة من بلوغ الغطرسة الأمريكية ذروتها عبر التهديد بممارسة أقصى درجات الإرهاب السياسي ومسح معالم الحضارة الإيرانية، لتصطدم هذه النوايا العدوانية بالجدار الصلب لاستراتيجية الردع التي شيدتها طهران بهدوء المقتدر، مجبرةً البيت الأبيض على استبدال لغة الحرب بالبحث الحثيث عن مخارج دبلوماسية ووساطات إقليمية.
ولم تكن “العنتريات” الرقمية التي ملأت الفضاء الإلكتروني سوى محاولة يائسة من واشنطن لفرض إرادتها على الشعوب، إلا أن الواقع الميداني الذي كرسته الجمهورية الإسلامية أثبت أن زمن الإملاءات قد ولى دون رجعة أمام إرادة الصمود، فقد أدركت الدوائر العسكرية في واشنطن، ورغم تفوقها المادي الكاسح، أن أي مغامرة غير محسومة النتائج ستكلفها مكانتها العالمية وتدمر مصالحها الحيوية في المنطقة، مما حول “المهلة النهائية” التي حددها ترامب من ساعة صفر للهجوم إلى ساعة صفر للاعتراف الضمني بفشل خياراته وبالمقترحات الإيرانية كقاعدة وحيدة لأي تفاوض جاد يضمن أمن المنطقة واستقرارها.
هذا التراجع الأمريكي الصريح يحمل في طياته دلالات عميقة على عقم سياسة “الضغط الأقصى” التي تحطمت أمام “عقيدة الصمود” التي تنتهجها طهران، حيث أثبتت التجربة الميدانية أن القوة المادية، مهما تعاظمت، لا يمكنها كسر إرادة أمة تملك قرارها وتمتلك مقومات الردع التي تجعل كلفة الحرب باهظة ومستحيلة.
إن رضوخ واشنطن اليوم لمطالب طهران بفتح الممرات المائية وتأمين الملاحة بشروط سيادية إيرانية، يمثل نموذجاً ملهماً لكافة قوى المقاومة، ورسالة واضحة لكل من يراهن على التدخلات الأجنبية بأن القوة الحقيقية تنبع من التمسك بالحقوق، وهي الحقيقة التي تجلت اليوم في انكسار الموجة العدوانية الأمريكية أمام عنفوان الصمود الإيراني الصلب.
ورغم هذا الانجاز الميداني والسياسي، يضع محللو وخبراء الشؤون الاستراتيجية في “جمهورية فلسطين” علامات تحذيرية شديدة الأهمية؛ حيث ترى “غرفة تقدير الموقف” في المنصة أن التراجع الأمريكي قد لا يكون سوى “مناورة تكتيكية” تهدف إلى التمويه وامتصاص الصدمة لإعادة ترتيب الأوراق.
ويشدد مراقبونا على ضرورة الحذر من “الغدر الأمريكي” المتأصل في عقيدة البيت الأبيض، محذرين من رهان ترامب على سياسة “التخدير السياسي” للالتفاف على شروط المقاومة في لحظة غير متوقعة، فالاتفاق في نظر محللينا لا يعني نهاية المعركة، بل هو مرحلة جديدة تتطلب يقظة مضاعفة، لأن اليد التي تمتد للمصافحة اليوم قد تخفي وراءها خنجر الغدر غداً.
وتختم “جمهورية فلسطين” قراءتها بالتأكيد على أن الحقوق لا تُنتزع إلا باليقظة والقوة؛ فمن استطاع إرغام القوى العظمى على سحب أساطيلها وتبديل لهجتها في غضون ساعات، عليه أن يظل قابضاً على زناد الوعي، فالمعركة مع المشروع الصهيو-أمريكي هي معركة إرادات طويلة الأمد، وصمود المحور واقتداره هما الضمانة الوحيدة لإفشال كافة المخططات، سواء كانت عبر المواجهة المباشرة أو عبر فخاخ الصفقات المشبوهة.





