بقلم: عمر فارس | “جمهورية فلسطين”

​في الذكرى الحادية والثمانين للانتصار على النازية، يقف العالم مرة أخرى أمام اختبار أخلاقي خطير، لكن هذه المرة لا يقع الضحايا في قلب أوروبا، بل في فلسطين.
أنا فلسطيني من الجليل، عائلتي طُردت من أرضها عام 1948 خلال النكبة، ووالدي ارتقى شهيداً في مواجهة مع جيش الاحتلال، واليوم أجد نفسي أعيش في بولندا، على بُعد نحو سبعين كيلومتراً فقط من معسكر “أوشفيتس” النازي، هذا المكان الذي زرته مرات عديدة ورأيت فيه غرف الغاز، وأسلاك الموت، والزنازين التي حُشر فيها الأبرياء، وجبال الأحذية والنظارات وحقائب الأطفال التي تركت خلفها قصصاً لم تكتمل.

​هناك، في “أوشفيتس”، بكيت لضحايا النازية، لأن الإنسان الحقيقي لا يمكنه إلا أن يبكي أمام هذا الجحيم، لكنني اليوم أبكي أيضاً على أطفال غزة، وعلى شهداء جنين وطولكرم ونور شمس، وعلى المدنيين الذين يُقتلون كل يوم في فلسطين ولبنان، وأقول بمرارة إن المأساة لم تنتهِ بل تغير شكلها فقط.
لقد هُزمت النازية العسكرية عام 1945، لكن فكرة التفوق العرقي والاستعلاء الإنساني لم تمت، فحين يتحول شعب إلى “شعب مختار” فوق القانون والمحاسبة، وتُبرَّر المجازر باسم الأمن، ويُجرَّد شعب كامل من إنسانيته، فإن العالم يكون أمام كارثة أخلاقية جديدة تعيد إنتاج ذات المفاهيم الاستعلائية القديمة.

​إن المشروع الصهيوني منذ بدايته قام على اقتلاع الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، وما جرى في دير ياسين والطنطورة وكفر قاسم لم يكن حوادث معزولة، بل جزءاً من سياسة ترهيب وتهجير منظم هدفت إلى تفريغ الأرض من أهلها الأصليين؛ واليوم، بعد أكثر من سبعة عقود، تتواصل المأساة بصورة أكثر دموية ووحشية، حيث تُرتكب في غزة حرب مدمرة أمام أعين العالم، قُتل فيها آلاف الأطفال والنساء، ودُمّرت المستشفيات والمدارس، وتحول الحصار الخانق إلى معركة يومية للبقاء وسط نقص الغذاء وانقطاع الماء والدواء، في مشهد يعيد للأذهان أقسى صور الحرمان البشري.

​ولا يبدو المشهد في الضفة الغربية أقل خطورة، حيث يهاجم المستوطنون المسلحون القرى ويحرقون البيوت تحت حماية الجيش، وتُجرف المخيمات في جنين ونور شمس وكأن النكبة لم تتوقف منذ عام 1948، بالتوازي مع ما يعيشه الأسرى الفلسطينيون من تعذيب وعزل انفرادي وقتل ميداني داخل السجون، ولم تكتفِ هذه السياسة بحصار الأرض، بل امتدت للاعتداء على “أساطيل الحرية” في المياه الدولية لمجرد محاولتها إيصال المساعدات، وسط دعم سياسي وعسكري من دول غربية كبرى كانت قبل عقود تقاتل ضد النازية باسم الحرية وحقوق الإنسان، في مفارقة مؤلمة تعكس ازدواجية المعايير الدولية.

​أنا لا أكتب هذا النص بدافع الكراهية، بل بدافع الذاكرة الإنسانية، فمن رأى “أوشفيتس” لا يمكنه أن يقبل بتجويع الأطفال أو تدمير المدن، إذ لا أحد يحتكر الألم ولا أحد يملك حق احتكار صفة الضحية، فدم الطفل الفلسطيني ليس أقل قيمة من دم أي طفل آخر في هذا العالم، لهذا، في ذكرى الانتصار على النازية، لا يكفي أن نكرر عبارة “لن يتكرر ذلك أبداً” بينما المأساة تتكرر بالفعل أمام الشاشات كل يوم، وأنا الفلسطيني القادم من الجليل، والواقف بين ذاكرة “أوشفيتس” ودمار غزة، أقول للعالم إن صمتكم هو أخطر ما يسمح بتكرار هذا الجحيم.

Shares:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *